رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والثالث عشر 114 كامل بقلم سهام صادق
تم تحديث الفصل بتاريخ 22 فبراير 2026
رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والثالث عشر
توقف "سيف" متيبس القدمين ومحملقًا في ملامح وجهها التي أتضحت إليه الآن عن قرب ، ضاقت حدقتاه بنظرة مخيفة عندما رأى أبتسامتها الخجولة وعلى ما يبدو أنها مندمجة في حديثها مع المتصل الذي يجزم بكل ثقة أنه رجلًا.
حدقتيّ عيناه المشتعلة من الغضب تفرستها ، "شهد" الصغيرة البريئة نسخة أخرى من النساء اللاتي على شَّاكلة والدته ، مظهر جميل يخدعك وبعدها تبصر نواياهن الخبيثة.
تملك منه شيطانه وأقتحمت رأسه تلك الليلة التي أتته وهو مخمور ، تذكر صورتها وهي في ثوب نوم طفولي لكنه لا يستر ويظهر منه جسدها الذي بدء في النضوج ، اقترابها منه ومحاولتها على مساعدته بعد أن وقع جوار سيارته في الجراچ ، رائحة عطرها الأنثوي الذي تسلل إلى أنفه وآثاره وأيقظ شهوته كل هذا وتظن بعدها أنها لن تجعله يراها امرأة راغبة وطوع بنانه إذا أرادها.
ـ أنا عايش من ساعت الليلة ديه في تأنيب الضمير وحاسس بالجرم ومكبل به ومبقتش قادر أبص في عينك ولا في عين "عايدة" وفي الأخر يا "شهد" تكوني مخططة لكل ده...
أنتشل نفسه من أفكاره عند سماع صوت شهقتها التي اختفت سريعًا بعد أن وضعت يديها على شفتيها.
ـ "سيف"!!!
صوت هتاف المتصل ارتفع بالنداء عليها عقب خروج اسمه من شفتيها.
ـ "شهد" ، "شهد" أنتِ سمعاني؟
حدق "سيف" نحو الهاتف ثم رفع عيناه إليها وقد بدأت بالتراجع إلى الوراء وأخذت تُحرك له رأسها بأن لا يقترب منها.
أرتفع صوت هتاف المتصل مرة أخرى ، فأستمرت "شهد" بهز رأسها إليه وسرعان ما احتل الفزع عيناها عندما وجدت "سيف" يلتقط الهاتف.
ـ خلينا نتقابل بكره يا "شهد" ، هستناكي في نفس المطعم.
أغلقت عينيها بأجفان مُرتعشة من الخوف وهي تستمع إلى أخر ما قاله المتصل والذي لم يكن سوى الرجل الذي تعرفت عليه بالشركة بعد أن علِمت أنه أبن أحد رجال الأعمال وعليها أن تسعى لتوسيع دائرة معارفها حتى تتمكن من الوصول إلى أحلامها سريعًا وهذه كانت نصيحة "سمية" و "لميس" صديقتها إليها.
....
أندهش "صالح" من وجودها مستيقظه إلى هذا الوقت ، فأبتسم بوهن وأقترب منها قائلًا بغبطة ومرح.
ـ منمتيش ليه يا حبيبتي ، عارف إنك الفترة ديه بقيتي تحبي النوم أكتر مني.
رمقته "زينب" بنظرة سريعة وممتعضة ثم عادت تركز مع التلفاز ، ليقطب "صالح" جبينه مُندهشًا من صمتها.
ـ صمتك ده مش مريحني يا "زوزو"...
وبأبتسامة واسعة أردف.
ـ أنتِ غيرانه يا حبيبتي عشان عشاء العمل كان معايا في "رغد" ، هو من حقك تغيري عليا ، لأن عشاء العمل مكنش في "رغد" وبس ، ده كان...
توقف عن الكلام عندما ألقت عليه نظرة شزرة وهي تلوي شفتيها ، فأنفجر ضاحكًا.
ـ يا أسد أنت قاعد على العرش ومتربع كمان.
حديثه الذي صار جديد عليها ، جعلها ترفع أحد حاجبيها مع ألتوء زواية شفتيها.
ـ لأ كده في حاجة مش مفهومه يا "زوزو" ، تعالي هنا وفهميني.
باغتها باجتذابها إلى حضنه فصاحت عليه ضجرة.
ـ "صالح" أبعد عني عشان زعلانه منك وخليني قاعده ساكته.
حاولت التملص من ذراعيه لكن محاولاتها أنتهت بالفشل.
عقد حاجبيه عندما وجدها بتلك الحالة التي لم تكن عليها صباحًا أو عندما تحدث معها بالهاتف ليُخبرها أنه سيعود في ساعة متأخرة الليلة.
ـ لأ كده الموضوع في منتهى الخطورة وفي حالة حرجة كمان.
دفعته على صدره قائلة بوجه محتقن:
ـ أنت بتهزر يا "صالح"، أبعد عني بقي.
تذمرها وعبوسها صاروا بالنسبة له كالمتعة وهو كرجل عاشق يتقبل كل شى منها بحب.
ـ أكيد بهزر يا "زوزو" ومش هبعد غير لما تقوليلي القمر زعلان مني في إيه.
ضمها إلى صدره رابتًا على ظهرها برفق كما يفعل مع "يزيد" عندما ييأس من بكائه الذي لا مبرر فيه.
ـ قوليلي يا حبيبت بابي الحلوه زعلانه من إيه؟
طريقته في مهادنتها زادت من حنقها منه.
ـ "صالح" متعاملنيش معامله الأطفال ، أنا مش عيلة قدامك بتستغفلها.
فك قيد ذراعيه عنها ، فأبتعدت عنه ووقفت قبالته عاقدة ذراعيها أمامها بسأم.
ـ ليه خبيت عليا إنك كملت دفع فلوس الشقة.
بجبين مقطب رمقها ثم أعتدل في جلوسه مغمغمًا بضيق.
ـ اه منك يا "إيهاب" يا فتان ، قال سرك في بير قال ، خير تعمل شر تلاقي وأهو الليلة باظت وأنا اللى قولت هدلع فترة على حس الموضوع.
ـ أنت بتقول إيه بصوت واطي يا "صالح" ، وليه مبتردش عليا.
وأردفت بسخط.
ـ كنت عايز تفضل مخبي عليا لحد أمتى ، على فكرة أنا من حقي أزعل منك.
تمتم "صالح" بحنق مُتوعدًا.
ـ هتروح مني فين يا "إيهاب" ، ده أنا هطلع خدماتي العظيمة فوق رأسك.
ـ "إيهاب" مقالش حاجة وهو كمان ليه كلام معايا هو و "جيلان" عشان أستغفلوني معاك.
ترقرقت الدموع في مقلتيها وسارت مبتعده عنه ، فأجفلها بألتقاط يدها وأعادتها إلى حضنه.
ـ "زينب" أنا مقولتش ليكي مش عشان عايز أخبي عنك حاجة لكن أنا عارف كويس ومتأكد أنك هتاخدي الموضوع بحساسية زيادة وهتقولي ده عمل كده لأني بربي له أبنه أو هتفسريها أني بقدم ليكي تمن علاقتنا.
.
.
أرادت أن تُقاطعه ، فأسرع بوضع يده على شفتيها.
ـ أنا سمعت يومها كلامك بالصدفة مع "جيلان" وأن الشقة ممكن تضيع منك ، عايزاني أقف أشوفك وأنتي بتدوري على أمل أخير ليكي عشان ترجعي شقة باباكي..
أنسابت دموعها ، فهي حتى هذه اللحظة لم تطأ أقدامها الشقة بعد شرائها إلا في الوقت الذي ذهبت إلى مالكها لتؤكد عليه نية الشراء ودفع المال ولم تستطيع إلا ألقاء نظرة خاطفة على جدرانها ثم بعدها فرت هاربة من صوت الذكريات.
شعر "صالح" بالهلع عندما رآها انخرطت في البكاء.
ـ "زينب" ، معقول عياطك ده كله عشان أنا كملت فلوس الشقة ، زينب ردي عليا...
وأردف بنبرة صوت قلقة ورخيمة.
ـ "زينب" أوعي تفتكري اني عملت كده عشان أخليكي ممتنة ليا ، أنا عملت كده عشان أشوفك سعيدة وأرجع ليكي ذكرى من ذكرياتك الجميلة مع عيلتك.
أخفت وجهها بكفوف يديها ، فشعر بالسخط الشديد من "إيهاب" و "جيلان".
ـ ما أنتِ لو فضلتي تعيطي كده هروح أطربقها على دماغ "إيهاب".
ردت دون أن تتوقف عن البكاء أو تزيح يديها عن وجهها.
ـ "إيهاب" مقالش ليا حاجة يا "صالح".
تجمدت ملامح وجهه وشعر بالغباء لوهله متسائلًا بعد أن دفعه ضيقه من عدم تأكده ممن أفشى هذا السر.
ـ أنتِ قبلتي جدي يا "زينب".
توقفت عن البكاء أخيرًا ونظرت إليه بنظرة واهنة وتساءلت.
ـ هو "شاكر" بيه عارف كمان أنك مشتري ليا شقة بابا يا "صالح" ، يعني أنا طلعت أخر من يعلم.
أغلق جفونه زافرًا أنفاسه بفتور.
ـ أنت خلتني مغفلة كبيرة...
حاول أن يسيطر على أنفعالاته وقبض على ذراعها قبل أن تحاول الأبتعاد عنه.
ـ لا عشت ولا كنت أني أخليكي مغفلة يا "زينب" لكن أرجوكي أتفهمي الموقف ووضع علاقتنا في الفترة ديه.
أسدلت أهدابها بحزن وحسرة عندما تذكرت ما حدث لوالدها بعد دخول تلك المرأة حياتهم.
ـ لو بابا مكنش أتجوزها مكنش كل ده حصل في حياتنا ، هي كانت السبب في موته وفي الديون ، ضيعت مني حياتي الحلوة.
قالت كلماتها الأخيرة بقهر ولا تعلم أن المرأة التي تتحدث عنها تسكن في نفس البناية التي تعيش فيها بل وتسعى إلى أستكمال تخريب حياتها.
ـ كان نفسي أحط أيدي حوالين رقبتها لحد ما تموت...
ـ ياريت تكون ماتت.
أيقظت نبرة القهر التي تتحدث بها ذلك العهد الذي أخذه على نفسه حتى يجد تلك المرأة التي لم يستطيع إيجادها في كل مره يظن أنه وصل إليها وكأن أحد يُحاول تضليله.
ـ هلاقيها قريب أوي ليكي يا "زينب" ، أوعدك هلاقيها.
وفي حضنه كانت تجد حصنها ، تنسى غضبها منه ومن الأيام ومن نفسها وتترك لأجفانها السلام حتى تنام في أمان.
اِفتر ثغر "صالح" بأبتسامة حنونة مع أبتهاج ملامحه ونظر إليها وهي تتثاءب.
ـ شكلك تعبتي من العياط ، إيه رأيك ننسى اللي فات.
هزت رأسها رافضة، فضحك على مظهرها اللطيف.
ـ لو أتخاصمنا هعاقب "إيهاب" و "جيلان" عشان اتأكدت خلاص أنهم لا يؤتمنوا على سر.
النُعاس أنتابها وقبل أن ينهض ويحملها إلى غرفتهم هتفت بنبرة تهديد جعلته يرغب بالضحك.
ـ أعمل حسابك هقضي الأيام الجاية عند جدو.
عقد حاجبيه مبتسمًا.
ـ وماله يا حببتي قضي اليوم كله عنده عشان فرح "سما" وسيادة الرائد وأنا وراجع من الشغل أجيبك.
هذا البرود الذي يتمتع به أصبح يثير سخطها منه لينهض بها وعلى شفتيه أبتسامة عريضة.
ـ في سر تاني هصارحك بي لكن بشرط.
تثاءبت مجددًا وتساءلت وهي تجتذبه من رابطة عنقه.
ـ أنت كمان بتساومني يا مخادع.
تجلجلت ضحكاته وهو يفتح باب الغرفة.
ـ مخادع!!! ، "صالح الزيني" يتقاله مخادع لأ وكمان راضي ومبسوط.
وأدرف هو يضعها على الفراش ومازال يضحك.
ـ قلبك جمد يا حببتي.
ونظرتها المُستاءة منه تزيده ضحكًا وتجعله يرفع راية الأستسلام.
.....
أرتجف جسدها من شدة الخوف وهي ترى نظرة "سيف" إليها بعد أن أطبق بغضب يده على الهاتف.
ـ ده زميلي في الجامعة.
أظلمت عيناه وأستكمل خطواته صوبها.
ـ كدابة.
وأردف دون أن يبعد عيناه عنها.
ـ عمري ما كنت أتخيل أنك تكوني بالحقارة والقذارة ديه.
صعقتها قسوة حديثه وتساءلت في نفسها عن أي قذارة يتحدث وهو من خان الأمانة وتربية والديها له.
ـ مالك مصدومه ليه من كلامي لأ وشايفك أتأثرتي ، أنا حقيقي عمري ما كنت أتخيل أنك ممثلة تستحق أننا كلنا نقف ونصقفلها.
وبنبرة صوت تحمل الكره لتلك الصورة التي أصبح يراها عليها.
ـ بقى أنتِ يطلع منك كل ده.
أسرعت بالرد عليه مُرتجفة الصوت.
ـ أنت بتقول إيه ، أنا عملت ليك إيه يا "سيف" عشان تقولي كده.
انفرج ثغره بأبتسامة ساخرة ومرر عينيه على جسدها بنظرة ثاقبة.
ـ يا ترى عايدة عارفة أنك مبتروحيش الكلية وبتشتغلي عند سمية هانم لأ وبتخططي وبترسمي لفوق.
وبحقد عاد يستوطن قلبه نحو النساء.
ـ البنت الصغيرة أم ضفاير كبرت وبقى حلمها تكون سيدة القصر وعشان تكون كده لازم تفكر وتخطط وتعرف تحط هدفها على مين.
أرتعشت شفتيها وأنسابت دموعها بغزارة على وجنتيها، فأستكمل حديثه مُستهزءً.
ـ بلاش دموع التماسيح ، بطلت أصدق أنك لسا طفلة بريئة وأنا يا حرام كنت ليلتها الوحش المفترس اللي حاول يغتـ. ـصبها.
وضعت يديها على أذنيها حتى لا تستمع إلى المزيد.
ـ أخرس، أخرس ، أنا بكرهك يا "سيف" بكرهك.
أنطلقت فجأة صرخة من شفتيها كممها بيده بعد أن أصبح مُحاصرًا لها.
ـ وأنا عايزك تكرهني يا "شهد" وهخليكي تكرهني أكتر بعد ما أكشف خداعك.
شعرت بالذعر ، فهل والدتها ستعرف بأمر تركها لجامعتها وعملها مع "سمية".
ـ ماما ، لا ، لا...
تمتمت بها بعد أن رفع يده عن شفتيها وقد ظن لوهلة أنها ربما تتوسله وتبدي ندمها لكن القوة أتتها فجأة وصرخت عليه.
ـ محدش هيصدقك ، هيصدقوني أنا...
حرك "سيف" شفتيه مُستخفًا ، فهتفت دون أن تعي ما نتحدث عنه.
ـ هقول لأبيه "عزيز" إنك بتحاول تقرب من "ليلى" وأنك بتحبها ، أوعى تكون مش واخد بالك من نظراتك ليها ، أنت بتحبها ومستعد تخون أبيه عزيز معاها...
سقط كلامها على رأسه كصاعقة ، فـ بأي حديث تتحدث تلك الغبية التي صارت تستمع إلى والدته بالتأكيد.
ـ أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ واعية لكلامك ، ليلى ديه بنت عمك...
نفضت شهد مخاوفها كما تعلمت ووقفت أمامه برأس مرفوع يُذكره بهيئة والدته عندما تتبجح بأفعالها.
ـ أنت و "ليلى" فاكرين أننا مغفلين لكن حتى "كارولين" كانت كشفاكم ومش بعيد أنت و "ليلى" تكونوا السبب في اللي حصل ليها...
ألقت كلماتها ثم أسرعت بألتقاط هاتفها منه قائلة قبل أن تركض نحو مسكنها.
ـ كلامك قصاد كلامي ، أنا خلاص كبرت وبقيت أعرف ألعبها إزاي ، أه نسيت أقولك إن أبيه "عزيز" ميستهلش منكم كده وممكن يروح فيها.
توقف "سيف" جاحظ العينين لا يُصدق ما سمعه وما جعله يشعر بالأرتباك والخزي أنه أتى عليه وقتً نظر نحو "ليلى" بصورة لا يستطيع الأعتراف بها حتى أمام نفسه.
وفور دلوف "شهد" إلى غرفتها ، اتجهت نحو مرآة طاولة الزينة خاصرتها وأبتسمت على قوتها أمامه.
ـ شاطرة يا "شهد" ، خليهم هما المذنبين قدام نفسهم وأنتِ بس الضحية.
وسارت جهة فراشها الذي تضع في منتصفه الوسادة وتدثره بالغطاء وتنهدت بأرتياح بأن والدتها وخالها لم يكتشفوا غيابها.
أستند "عزيز" بـ ساعده الأيسر على سور الشرفة وباليد الأخرى الغير فارغة يحمل بها فنجان القهوة التي يحتاج إلى جرعتها.
خرجت زفرة طويلة من شفتيه وهو شارد في ذلك الطلب الذي طلبته منه ليلة أمس بعد أن أخبرها أن تطلب منه ما تشاء بل وفجرت إليه ما تُخفيه عن أمر عملها مع "عايدة" وأنها تساعدها حتى تستقل بعيدًا عن الڤيلا كما صارت ترغب.
ـ حقها يا "عزيز" تطلب يكون ليها بيت لوحدها وتقول أنها عايزه "عايدة" و "شهد" والعم "سعيد" معانا لكن وجود "سيف" وسطينا مبقاش ينفع لا ليها ولا ينفع لـ "شهد".
تمتمها "عزيز" في نفسه وأستكمل حديثه.
ـ هتعملها إزاي ديه دلوقتي يا "عزيز" بعد اللي حصل مع "سيف" وأنه محتاج وجودك جانبه ، لأ والبيه بعتلي رساله الصبح يقولي أنه هيختفي فترة ولما يحس أنه قادر يقابلني ويرتب أموره هيظهر.
وتنهيدة أخرى خرجت من صدره الذي يجثم عليه شعور الضعف.
ـ وهو "سيف" بس اللي محتاجك يا "عزيز" جانبه، نسيت صاحبك ومراته وأبنه...
أطبق أجفانه مُطلقًا زفيرًا أخر من شفتيه.
ـ وبعد كلام الدكتور عن حالة "ليلى" النفسية ، مقدرش المرادي أقولها لأ على حاجة ولا أقف قدام شغلها وطموحها كفاية إني مخبي عليها حق من حقوقها...
وبنبرة تحمل الخوف مما هو قادم واصل حديثه مع نفسه.
ـ يا ترى هتفضلي تحبيني وهفضل محاوط عليكي يا "ليلى"...
وعندما تخيل اللحظة التي ربما تتركه فيها عند أنكشاف سره الذي يشعره بنقص رجولته ولا يستطيع الأعتراف به.
ـ لا ، لا مقدرش أعيش من غيرك يا "ليلى" ، أنا هديها كل حاجة هي عايزاها ونفسها فيها لكن لازم توعدني...
أنقطع الحديث الدائر بينه وبين نفسه بعد أن سيطر عليه شيطانه في لحظة ضياع وخوف من المجهول وأندفع نحو الداخل ليجدها تقف أمامه وكأنها كانت تبحث عنه.
ـ "ليلى" أنا موافق أنك تشتغلي وتعملي كل اللي نفسك فيه حتى استقلالنا عن الڤيلا موافق عليه لكن قصاد ده إحنا لازم نتفق على حاجة....
فتحت "أشرقت" عينيها ونظرت إلى سقف الغرفة بسخرية.
ـ ياريت تفضل علطول مسافر ومترجعش أبدًا..
ثم أزاحت الغطاء عن جسدها وكادت أن تنهض لكن الصداع داهم رأسها...
❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️
الفصل المائة والثالث عشر (2)
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻
عجز لسانه عن قول ما أراد أن يُساومها عليه وقد تملكه الخزي في اللحظة التي تلاقت فيها أعينهما.
ارتجف جسد "عزيز" بالكامل وتساءل في داخله :
" هل يستطيع قول هذا الشيء لها ، هل أصبح قلبه بلا رحمة حتى يخبرها أن مقابل ما سيعطيها من حقوق عليها أن تدفع مقابلها وترضى بقراراته دون أن يعطيها سببً واحدًا؟"
ترقبت "ليلى" ما يرغب في قوله لكن صمته طال وجعل عقلها يستنتج أمرًا واحدًا فقالت :
ـ أنا عارفة كويس أنت عايزنا نتفق على أيه يا عزيز ؟
أشاح "عزيز" بوجهه عنها سريعًا بعد أن شعر بانعدام ثباته أمامها.
ـ أنت خايف يا "عزيز" أنك متفضلش في أول أولوياتي لكن أوعدك مافيش حاجه هتاخدني منك ووقت ما تقولي أنتِ مقصرة في حقي يا "ليلى" أو تلاقيني قلبت الأدوار ما بينا وبقيت أنا الراجل وأنت...
قطعت حديثها ثم ضحكت على ما كاد ينفلت من لسانها ، وأمسكت يديه لتجبره على النظر إليها قائلة:
ـ أهم حاجة دلوقتي عندي أنك مزعلتش من حكاية شغلي من وراك..
وأسرعت بتوضيح أسبابها دون أن تتحدث عن استقلالهم في منزل تعيش فيه مع عائلة عمها بمفردهم دون "سيف".
ـ تعرف أنا مقولتش ليك لأني كنت عارفه أنك هتقولي كلمتك المعتادة...
أسدل "عزيز" أجفانه متنهدًا بوهن وحيرة وقد تأكد أن أمر المساومة صار صعبًا اليوم.
ـ أنا نفسي يكون ليا حياة يا "عزيز" ، نفسي ألاقي نفسي في حاجة بحبها وما دام لسا ربنا مرزقناش بأطفال وأنت بقيت مشغول عني ، ليه مدورش على حاجات بحب أعملها وأشغل وقت فراغي بيها وأدور على صحاب يكونوا شبهي.
.
.
تقابلت نظراتهما مرة أخرى ، فأسرع بخفض رأسه حتى لا ترى هزيمته أمام نفسه.
تركت يديه وتراجعت بخطواتها إلى الوراء وأردفت بسعادة:
ـ أخيرًا يا "عزيز" حسيت بأحتياجي أنك تسألني نفسك في إيه يا "ليلى".
كالعصفور الحر كانت هي أمامه ، عصفور سمح له صاحبه أخيرًا أن يتحرك خارج القفص الذهبي.
ـ أنا من ساعت ما جيت هنا الشقة وأهتمامك بيا حسسني أني عايشة ورجعت أتنفس من تاني ، لأ وكمان وبتسألني نفسك في إيه يا "ليلى" ومزعلتش مني وواقف تسمع ليا...
وأمام هذه السعادة وهذا الوهج الذي يضج في عينيها وقف مُكبلًا.
ـ إيه رأيك نعيش هنا في الشقة ونسيب الڤيلا لـ "سيف" ، تعرف أنا صدقت دلوقتي كلام الدكتورة لما قالتلي النفسية مهمة جدا عشان نخلف...
اختنقت روحه واستدار بجسده حتى لا تبصر رعشة أجفانه وأكملت.
ـ أصل لا أنت ولا أنا عندنا حاجة تمنع..
مزقت تلك الثقة التي تتحدث بها قلبه ، فأغلق عينيه قائلًا في نفسه : " أخبرها يا 'عزيز' وتحرر من عجزك".
أجفلها بالتفافه إليها ، فأبتسمت قائلة:
ـ عم سعيد قالي إن "سمية" كانت حامل منك لكن الحمل مكملش...
وقفت "أشرقت" أمام المرآة تُهندم من مظهرها وتستكمل وضع زينتها.
قطبت جبينها عندما عاد الصداع يطرق رأسها مُجددًا، فهتفت حانقة:
ـ شكلي محتاجه فنجان قهوة ، أنا مش عارفه ليه رجعت تاني أشربها الصبح بعد ما بدأت أقلل من شربها.
وبوجه مقتضب أردفت وهي تُخلل أصابعها بين خصلات شعرها القصير:
ـ هنزل ليهم المطبخ أطلب منهم يعملولي فنجان قهوة ويطلعوها مع الفطار.
سارت إلى خارج الغرفة مُتجهة للأسفل وعند دخولها المطبخ توترت الخادمات منتظرين أوامرها.
ـ مين فيكم بتعملي أنا و مدام "سيلين" فنجان القهوة.
شحب وجه إحدى الخادمات ونظرت إلى زميلاتها بالمطبخ.
ـ "غادة" هي المسئولة يا هانم.
أسرعت إحداهن بالرد ، فنظرت "أشرقت" إليها بتمعن.
ـ أعمليلي فنجان قهوة وطلعي مع الفطار بتاعي.
هزت الخادمة رأسها بارتعاب وصمت لتضيق حدقتا "أشرقت" لوهلة ثم غادرت المطبخ بغطرسة.
ـ يا ساتر ،، عليها رفعت حاجب لا وبتكلمك من مناخيرها.
قالتها "هالة" الخادمة وهي تلوي شفتيها حانقة:
ـ أسكتي لتسمعنا ديه مستشاره وأبوها مستشار يعني ممكن تربينا في التخشيبة.
سقط إناء القهوة من الخادمة "غادة" ، فالتفوا إليها زميلاتها بعد أن توقفن عن الثرثرة.
ـ مالك يا "غادة" شيفاكي مش على بعضك من ساعت ما دخلت.
تساءلت "نوارة" تلك التي تبادلت الحديث مع هالة ، فنظرت "غادة" إليهن وهي تبتلع ريقها.
ـ أنا...
خرجت الكلمة من شفتي "غادة" بلسان ثقيل لصعوبة نطقها للحروف ، فضحكت "نوارة" ساخرة.
ـ بس خلاص معنديش مرارة أسمع باقي الكلام ونقعد اليوم كله لحد ما نجمع الحروف.
ـ "نوارة" عيب كده.
تمتمت بها "هالة" ثم وجهت أنظارها نحو "غادة" التي طأطأت رأسها أرضًا.
ـ يلا يا غادة أعملي قهوة الهانم و "نوارة" تجهز الفطار.
نظرت "ليلى" نحو أطباق التحلية التي جهزتها بنظرة غير راضية، فهي كانت تتمنى أن تقوم هي بدعوة جارها العجوز وليس هو من يدعوها لتناول الطعام معه.
ـ يا ترى كده كويس ولا عمل صنف حلو تاني؟
تساءلت ثم تنهدت وهي تسحب أحد مقاعد الطاولة الموجودة بالمطبخ وجلست عليه بعد أن شعرت بالوهن.
ـ الحالة ديه كانت بتجيلي وأنا صغيرة.
ثم مررت يديها على ساقيها واكملت تساؤلها.
ـ ليه رجعت تجيلي من تاني ؟
رنين هاتفها أخرجها من شرودها ثم ردت على الفور ، فأتاها صوت "عزيز".
ـ "ليلى" أنا كلمت "شهد" تجيلك بعد ما تخلص محاضراتها لأن أحتمال أتأخر في الرجوع.
اختفت أبتسامتها عندما أخبرها عن حضور "شهد"،
وبندم أردف وهو يفرك جبينه من شدة الصداع :
ـ غصب عني يا حببتي في مشاكل معايا في الشغل لكن هحاول اخلص كل حاجة بسرعة ، أنا هبعتلك الغدا متتعبيش نفسك.
قطعت حديثه مُتسائلة بعد أن تأكدت أنه نسى ما أخبرته عنه منذ ساعات.
ـ "عزيز" ، أنت نسيت إن سيادة اللواء جارنا عزمنا على الغدا.
صفع "عزيز" جبهته بخفة قائلًا:
ـ معلش يا "ليلى" ، عقلي مبقاش في راسي...
ـ ياريت كان "سيف" قد المسئولية كان شالها معايا
تنهد ثم واصل حديثه يشكو لها من ثقل همومه.
ـ "نيرة" أحتمال تولد أخر الأسبوع ومش عارف أعمل إيه ، أه يا سيف منك...سيبتك لنفسك وأختياراتك ومعرفتش أعمل منك راجل.
أغمضت عينيها وأطبقت شفتيها حتى لا ينفلت منها حديث إذا قالته لن يكون إلا صدمة ربما لن يستوعبها ،
«أبن شقيقه وأبنة عمها» أثنان وضعوها في أصعب أختبار أمام نفسها وكانوا صدمة لها لا تصدقها حتى هذه اللحظة.
ـ أنا ليه بشيلك هم وأنتِ تعبانه ، هكلم محل حلويات بنتعامل معاه يبعتلك حاجات حلوة تاخديها معاكي عند سيادة اللواء وبرضو هبعت غدا عشان "شهد" لما تيجي...
ونظر في ساعة يده مُتنهدًا.
ـ "شهد" لسا قدامها محاضرتين على ما تجيلك ، يعني هتكوني خلصتي زيارتك عند سيادة اللواء.
وضعت "ليلى" يدها على قلبها الذي تسارعت دقاته فجأة ، فتساءل بعد أن شعر بوجود خطبً ما بها :
ـ "ليلى" أنتِ معايا ، "ليلى" لو تعبانه قوليلي هسيب كل حاجة معايا وأجيلك.
ابتسمت بفتور وتنهدت.
ـ لو حسيت بتعب هكلمك يا "عزيز".
مرر أصابعه على مؤخرة عنقه وأنتصب واقفًا.
ـ وأنا هكلم "شهد" تاني وأقولها متتأخرش عليكي.
وليتها تستطيع البوح وأن تُلقي بهذا الثقل عن قلبها.
أنهت مكالمتها معه ونظرت إلى ما صنعته يديها وهتفت بحيرة:
ـ أخد الحلويات بتاعتي ولا بتاعت "عزيز".
زفرت أنفاسها بعد أن أتخذت قرارها.
ـ هاخد الأتنين.
مرت نصف ساعة على مكالمتها مع "عزيز" وفجأة انتفض جسدها عندما استمعت إلى رنين جرس الباب ، فهي كانت شاردة في كل ما حدث بالأيام الماضية وفي صراع مع مخاوفها عن كشف تلك الحقائق التي تعلمها.
نهضت وسارت نحو الباب وفي أعتقادها أن من يطرق الباب هو عامل التوصيل أو ربما الجد "نائل" ذلك الرجل الذي يدهشها بتواضعه وطريقة تعامله.
رفرفت بأهدابها بعد أن فتحت الباب وهتفت وهي تمرر عيناها على ما ترتديه "شهد" من ثياب لأول مرة تراها بها.
ـ "شهد"!!
اِفتر ثغر "شهد" بأبتسامة عريضة وساخرة ودلفت قائلة:
ـ آبيه "عزيز" بعتني ليكي ، قالي أنك لسا تعبانه.
ألجم كلامها "ليلى" التي وقفت متيبسة في وقفتها.
ـ لكن أنا شايفه زي ما توقعت وشكل الموضوع كله تمثيل ، لتكوني عايزه تحتكري الڤيلا ليكي بعد ما نمشي كلنا منها.
أغلقت "ليلى" أجفانها وفي رأسها سؤال واحد لا يرحمها، " ما الذي تريده "شهد" لتصبح بتلك الصورة السيئة"؟
ـ "سيف" مشي من الڤيلا النهاردة الصبح ، إظاهر كده خاف إن الحقيقة تظهر
اِهتز جسد "ليلى" بأكمله هذه اللحظة ثم أغلقت الباب وأسرعت إليها بغضب متسائلة:
ـ حقيقة ايه يا "شهد" ؟ أياكِ تتكلمي ، مرات عمي ممكن تروح فيها.
ظنت "شهد" أن ما صنعته داخل عقلها الصغير هو ما تخاف منه "ليلى".
ـ يعني عارفة بحقارتك وخايفة على ماما.
ـ حقارتي؟
رددتها "ليلى" بنبرة صوت مهزوزة ، فعن أي حقارة تتحدث "شهد" وهي التي عليها أن تدس رأسها بالوحل.
ـ أيوة حقارتك ، رسمتي البراءة على أبيه "عزيز" وعرفتي توقعي في حبك عشان تكوني سندريلا وبعد ما زهقتي من أبيه "عزيز" بقت عينك خلاص على "سيف"
أنسابت دموع "ليلى" ووضعت يديها على شفتيها من شدة الصدمة ، فالطعنة هذه المرة كانت في مقتل ، أبنة عمها تطعنها في شرفها.
ـ أنا بكرهك يا "ليلى" ، بكرهك.
لم تشعر "ليلى" بنفسها إلا وهي تصفعها على وجهها صارخة.
ـ مش مهم عندي تكرهيني أو تحبيني ، المهم تفوقي من الوهم ، "سمية" مش ملاك وشغلتك عندها عشان تكوني لعبة في أيديها وتداري على قذارة أبنها ، فوقي بقي حتى "سيف" مش بيحبك ، سيف أصلا مش عارف هو عايز إيه ولا أد المسئولية حتى.
.
.
أشاحت "شهد" بوجهها عنها وهي تمرر يدها على خدها.
ـ أنتِ هتكوني دكتورة شاطرة يا "شهد" ولكي مستقبل ، فين أحلامك يا "شهد" ، نسيتي حلم عمي..
اشتعلت عينايّ "شهد" بالحقد وتذكرت حديث "سمية" معها قبل أن تأتي إلى هنا وردت:
ـ زي ما أنتِ وصلتي لـ "عزيز" بيه أنا كمان هوصل لـ "سيف".
وبصراخ أردفت.
ـ كل كلامك كذب ، لو "سمية" هانم مكنتش عايزاني مكنتش وقفتي جانبي وشغلتني عندها..هي عايزاني أكون سيدة أعمال زيها ناجحة.
ـ إزاي صدقتي الست ديه ، ديه مبتحبش ولادها ولا وقفت معاهم في يوم ، هتحبك أنتِ إزاي؟
أندفعت "ليلى" نحوها حتى تقبض على كتفيها وتهزها لعلّ تلك الغشاوة تنزاح عن عينيها.
ـ آبيه "عزيز" كان حرمها زمان من ولادها لكن هي كانت ست قوية وعرفت تستغل الفرص ورجعت ولادها لحضنها من تاني وهي ست ناجحة ، عايزه تعرفي هي بتعمل عشانهم إيه عشان تصدقي.
تقهقرت "ليلى" إلى الوراء عندما ابتعدت "شهد" عنها.
ـ ولا بلاش أقولك لتحسي بالقهرة على نفسك ، "ليلى" حببتي ياريت تساعدي نفسك ولا أقولك خليكي في دور الجارية لايق عليكي أوي ومالكيش دعوة بالناس الناجحة زي "سمية" هانم و زي...
تَدَلَّى كتفيّ "ليلى" بأنهزام وأطبقت على يديها حتى توقف أرتعاشهما.
ـ زعلتي ليه من الكلمة مش ديه الحقيقة ، آبيه "عزيز" أتجوزك لما أتبسط منك في المزرعة ، رفض الدكتورة الجامعية وأختارك أنتِ وكل ده ليه؟
والصفعة هذه المرة كانت أقوى ، فصرخت "شهد" عاليًا.
ـ أياكِ تقفي في طريق سعادتي ولو فكرتي تتكلمي بكلمة ، هفضحك يا "ليلى" وهقولهم على حقيقتك ، هخلي ماما و خالي يكرهوكي وهقولهم كمان إنك شجعتني أشتغل مع "سمية" هانم عشان أعرف أقرب من "سيف".
.
.
طَفَرَت الدموع من عينيها واستندت على ظهر المقعد القريب منها وقد أصبح كل شىء يدور من حولها.
عادت دقات قلبها تخفق بسرعة حتى ذلك الشعور الذي أتاها قبل يومين بدء يحتل ساقيها من جديد وبصعوبة تحركت حتى تستطيع الجلوس على المقعد.
ـ أنتِ يا "شهد" تقوليلي الكلام ده ، أنا عملت ليكي إيه ، ده أنا من لحمك ودمك.
أخترق حديثها مع نفسها مَسامِع "زينب" التي لم تنتبه "ليلى" على وجودها بعد خروج "شهد" من الشقة وترك الباب مفتوحًا.
ـ "زوزو" ديه بتعيط جامد ، ألحقي يا "زوزو" هتموت وهي بتعيط.
ابتلعت "زينب" ريقها بحلق جاف، فهذا المشهد وهذا الحديث الذي استمعت إلى جزء منه أعاد إليها ذكريات لا تُنسى وبهمس غمغمت حينما تذكرت طيف "أشرقت" في أحدى مشاجراتها معها.
ـ "أشرقت".
قبض "يزيد" على يد "زينب" لتنتبه على حديثه وتتحرك نحو "ليلى" التي بدأت بألتقاط أنفاسها بشهقات عالية.
سارت عينايّ "أشرقت" للمرة الثالثة بدقة بين الأوراق التي أمامها.
شعرت بحاجتها إلى تفريغ غضبها بشيءٍ ما بعد أن يأست من إيجاد ثغره تستطيع السير ورائها.
ـ معقول مش عارفه ألاقي حاجة تخليني أكشف أعمالهم القذرة...
وبنبرة مغتاظة هتفت وهي تضرب على الطاولة.
ـ مافيش أي حاجه بيعملوها مكشوفة ولا أي حاجة بتدينهم إزاي...
أفزعها رنين هاتفها المتَّواري أسفل الأوراق المبعثرة على الطاولة.
ارتجفت بأضطرب وهي تنظر إلى رقم المتصل ، فأسرعت بالرد بعد أن سيطرت على رجفة نبرة صوتها.
ـ أهلا أهلا سيادة المستشار ، أيوة الملف أستلمته مش عارفه أشكرك إزاي ، أيوة عارفه مكانتي كويس عندك من غير ما تقول يا فندم وأنت الوحيد اللي قولت ألجأ له...
صمتت حتى تسمعه ثم أخفضت رأسها بشحوب.
ـ ما أنا شايفة الورق قدامي ، شكلي كده فهمت حاجات غلط ، حاضر يا فندم.
انتهت المكالمة التي أنحبست معها أنفاسها ثم تهاوت على المقعد الذي ورائها.
ـ يعني إيه!!! أوقف تدوير ورا عيلة الهتيمي عشان أحافظ على منصب بابا ومنصبي.
وقف عقلها لدقائق عن التفكير ثم زفرت أنفسها بيأس لأول مرة يتسلل إلى روحها ويضعف من عزيمتها.
أنفتح الباب في اللحظة التي بدأت فيها بألتقاط أنفاسها مع إغلاق عينيها.
ـ سيادة المستشارة حبيبت بابا عاملة إيه النهاردة.
خفق قلب "أشرقت" بذعر ونظرت إلى الأوراق التي لم تعيد دَّسها داخل درج مكتبها.
قطب "هشام" جبينه متسائلًا عندما وجدها تُسرع في جمع تلك الأوراق.
ـ شكلها أوراق قضية مهمة؟
سيطرت بصعوبة على دقات قلبها الهادرة وأبتسمت بتوتر بعد أن وضعت تلك الأوراق داخل الدرج.
ـ لأ أنا خوفت بس تضيع أي ورقة أو تندلق عليها القهوة لما نشربها سوا.
قهقه "هشام" وفتح لها ذراعيه قائلًا بحنان لا يعطيه إلا لأولاده :
ـ فعلًا ، أنا محتاج فنجان قهوة أقعد أشربه مع بنتي الجميلة ، قوليلي ماما اتصلت عليكي عشان تيجي تقضي معانا الأسبوع ده وتتجمعي مع أخواتك لحد فرح سيادة الرائد.
أخفت "أشرقت" وجهها في حضنه وحركت رأسها.
ـ أيوة يا سيادة المستشار ، بكره هكون عندكم.
قالتها بنبرة صوت حزينة وهي تقاوم ذرف دموعها على صدره ، فوالدتها لا تفكر في مهاتفتها إلا لتزيدها حسرة على حالها وتخبرها أن رضاها عليها لن تناله إلا إذا جعلت "مراد" يركع أمامهن متوسلًا العفو منهن.
ابتلعت "ليلى" لعابها ثم أطرقت رأسها مُتحاشية النظر نحو "زينب" التي مدَّت لها يدها بكوب من الماء المُحلى بالسكر.
ـ خدي أشربي يا "ليلى".
لم تستجيب لها "ليلى" ، فأسرع "يزيد" بالأقتراب منهن.
ـ أنا لما بشرب المية بسكر بحس أني بقيت كويس يا "ليلى" ، خليكي شاطرة وأسمعي الكلام وأشربي ولا أخلي "زوزو" تشربك بالعافية.
أشرق وجه "ليلى" بأبتسامة صغيرة ألتقطتها "زينب".
ـ لو مسمعتيش كلام "يزيد" يا "لولو" في اللحظة ديه هتكوني جبتي لنفسك وجع الرأس وهيفضل يحكيلك كام مره عيط فيها وكام مرة زعل مني ومن باباه ، وليه ميس الماث مقالتش له أمبارح أنه شاطر وليه أحنا عايشين على كوكب الأرض ومش عايشين على كوكب تاني.
ضحكت "ليلى" مُرغمة ، فـ صفق "يزيد" يديه ببعضهما صائحًا بحماس.
ـ ضحكت يا "زوزو" كده الشمس نورت.
دمعت عينايّ "ليلى" بعد أن وجدت نفسها بحاجة إلى البكاء مرة أخرى.
ـ ليه بتعيط تاني يا "زوزو" ؟
تنهدت "زينب" ، فهي تعرف هذا الشعور الذي ينخلع معه قلب المرء مُتسائلًا في نفسه : "ما الشيء السيء الذي فعله حتى يبغضه أهله ويصبح عدوً لهم."
نظرت "يسرا" بحاجبين مرفوعين نحو "سما" التي عادت من عملها للتو ودلفت إلى غرفتها دون أن تتفوه بكلمة.
ـ شايف بنتك يا "مصطفى" ولا كأننا أعدائها.
أمتقع وجه "يسرا" عندما لم يرد عليها ، فهتفت بضيق.
ـ هروح أشوفها فيها إيه ست الحسن وأبلغها إننا بكره هننزل نتفرج على فساتين الزفاف.
لا رد وجدته منه ، فأحتدت ملامحها وألتقطت من أمامه ريموت التلفاز وأغلقته.
ـ أحسن برضو يا "يسرا" ، أنا داخل أنام.
سحبت "يسرا" نفسًا عميقًا بأرتياح وهتفت.
ـ هقعد أتفرج الأول على حلقة المسلسل بمزاج وبعدين أقوم أشوف ست الحسن.
فتحت "زينب" باب شقة جدها ودلفت قائلة بمرح :
ـ جدو جبتلك "ليلى" ، لأ وجايين كمان محملين بأكلنا ، هترحب بينا ولا نرجع مكان مجانا.
خرج الجد من المطبخ بخطوات بطيئة.
ـ يعني نسيبنا من أكل "منصور".
نظرت "زينب" نحو ليلى الصامتة ثم نظرت جهة جدها الذي صار أمامهن وقد تحولت نبرة صوته اللينة المرحة إلى أخرى صارمة.
ـ أرفعي رأسك يا بنت ، حفيدات "نائل الرفاعي" مبيوطوش رأسهم.
أرتعش جسد "ليلى" وظنت أن حديثه يقصد به "زينب" لكنه رفع نبرة صوته بحزم أشد.
ـ قولت أرفعي رأسك يا "ليلى" ، أنا حفيدتي متدخلش بيتي بالمنظر ده ، هو ابن "الزهار" مصنش الأمانة ؟
عقدت "يسرا" ما بين حاجبيها وهي تلصق رأسها على باب الغرفة. أبتعدت عن الباب بغضب حتى تفتحه لكن قبل أن تضع يدها على المقبض تراجعت وهي تتمتم بغيظ وتسير مبتعدة عن الغرفة :
ـ بقى مخططه أنك تسافري يا "سما" ، عايزة تفضحينا قدام العيلة وأنا أقول ليه بقيتي ساكته ومافيش غير على لسانك اللي شيفاه يا ماما أعملي.
استمرت "يسرا" في تكرار الكلام وهي تدور حول نفسها في غرفة الجلوس.
تجهمت ملامح وجهها فجأة وصاحت :
ـ لازم أبوكي الدكتور الجامعي يصحى يشوف ويعرف بنته ناوية على إيه.
سارت بضعة خطوات ثم تراجعت ووقفت في منتصف الغرفة.
ـ لا الموضوع مينفعش معاه أبوكي ... مافيش غيره سيادة المستشار لازم يتصرف ونكتب كتب الكتاب بكره.
دارت بعينيها في الغرفة إلى أن ألتقطت عيناها مكان الهاتف. لم تتردد وانتظرت رد "هشام" الذي أندهش من مهاتفتها.
ـ في حاجة يا "يسرا" ، أتصالك قلقني...
تساءل "هشام" وهو يمنع "زينة" من وضع الطعام في فمه.
أحتقن وجهه وأبعد "زينة" عن حضنه ونهض مبتعدًا عن أنظارها.
تجمدت "إلهام" في وقفتها بعد أن ألتقطت عبوة دواء أستطاعت بعد بحث سريع من خلال هاتفها معرفة الغرض الطبي الذي يُستخدم له...
سقطت العبوة من يدها وحدقت بالحبوب التي تناثرت على أرضية الغرفة وهتفت بصوتٍ متقطع وأنفاس بالكاد تخرج من شفتيها.
ـ حبوب منع الحمل بين هدومك يا "زينة"...
الفصل المائة والرابع عشر من هنا
اقرأ الآن تكملة رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والثالث عشر 114 كامل بقلم سهام صادق في الفصل التالي.
جميع فصول ظنها دمية بين أصابعه قراءة مباشرة
كل ما تبحث عنه من فصول رواية ظنها دمية بين أصابعه متوفر هنا بشكل منظم.
🔗 جميع فصول ظنها دمية بين أصابعه مرتبة وسهلة الوصول