" " " " " " " " رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والخامس عشر 116 كامل بقلم سهام صادق
📁 آحدث المقالات

رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والخامس عشر 116 كامل بقلم سهام صادق

رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والخامس عشر 116 كامل بقلم سهام صادق

تم تحديث الفصل بتاريخ 22 فبراير 2026

رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والخامس عشر 116 كامل بقلم سهام صادق



رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والخامس عشر

لقد رسخوا داخلها الليلة أنها ستظل ابنة العائلة المنبوذة التي إذا نقصت الصورة من دونها لن يبحث عنها أحد إلا عندما ينتهوا من التقاط لقطتهم السعيدة.

بكاء وبكاء وبكاء؛ هذا ما فعلته "زينب" بعد انتهائها من مكالمتها مع جدها، ليقف أمامها "يزيد" مذهولاً لا يستوعب بعقله الصغير لماذا هي تبكي؟

وما الذي عليه فعله لها؟

ولم يجد إلا مهاتفة والده وإخباره أنها مريضة وتتألم من وجع بطنها؛ لأنه يراها تضع يدها عليها.

ـ بابي هي "زوزو" بتعيط عشان بطنها وجعاها ولا عشان طنط "سما" اتجوزت عمو "قصي" وأحنا مروحناش؟

قالها "يزيد" عند دلوفه للغرفة وهو يمسك هاتفه محدقاً بالصفحة الشخصية التي أنشأتها له "زينب" على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يعرض رسوماته البسيطة ويرى إطراء الأصدقاء عليها.

فتحت "زينب" عيناها تلك اللحظة ورفعت رأسها، فتلاقت عينا "صالح" بنظرتها الحزينة، وقد بدأ للتو ينتبه للسبب الذي هاتفه عمها "هشام" من أجله وقدم له الكثير من الاعتذارات هو وعائلته لأنهم اقتصروا عقد قران "قصي" على الأقارب، لم يفكر هو بالأمر كثيراً لانشغاله في أمور تلك الصفقة التي يتحدى بها جده بعد أن قلل من ذكائه في عالم الأعمال.

ـ "زوزو" طنط "سما" وعمو "قصي" طلعوا وحشين...

ثم عقد ذراعيه أمام صدره بشفتين مزمومتين لظنه أن حفل العرس الذي اشترى من أجله بذلته الجديدة وحذاءه لن يرتديهما.

صمت "زينب" وعبوسها بعد أن حرك "يزيد" مشاعرها جعله يسرع في انتشال رأسه من أفكاره.

ـ "يزيد" يا حبيبي، عيب تقول كده على ناس أكبر منك وأنت بتحبهم وما تعرفش إيه أسبابهم...

حدق نحوه "يزيد" بنظرة ناعسة لرغبته في النوم الذي يقاومه بشدة، فأردف "صالح" بهدوء وهو ينظر إلى "زينب" التي تلاشى عبوسها:

ـ خلينا نتعود ما نحكمش على حاجة ولا على حد بنحبه غير لما نعرف السبب كويس.

ـ أنا و "زوزو" صحابهم يا بابي، أنا زعلان عشان كنت عايز أحضر فرحهم.

ـ ما تقلقش هنحضر الفرح وتقول لطنط "سما" وعمو "قصي" مبروك، ويلا يا بطل على سريرك، أنت دلوقتي راجل وبتعرف تنام لوحدك.

التمعت عينا "يزيد" بالحماس غير مصدق أن ما زالت هناك فرصة لحضور حفل الزفاف:

ـ بجد يا بابي؟

ابتسمت "زينب" ونظرت نحو يدَي "صالح" اللتين تمسدان يديها بحنو:

ـ ومن أمتى وأنا بقول حاجة غلط يا "يزيد" باشا؟

افتر ثغر "يزيد" عن ابتسامة واسعة ثم اقترب منهما:

ـ "زوزو" اسمعي كلام بابي هو كبير وبيفهم عننا، تعالي أحضنك قبل ما أنام عشان تصحي كويسة.

أبتهجت ملامح "زينب" وفتحت ذراعيها إليه بعد أن سحبت يديها عن "صالح" الذي نظر للمشهد بشعور متناقض.

ـ حبيبي أنت، حضنك فيه دفى وجميل زيك...

ابتعد عنها "يزيد" منفرج الثغر بابتسامة بريئة تشبهه:

ـ أحلى من حضن بابي يا "زوزو"!

انمحت تلك الابتسامة التي تلمع في عيني "صالح" وعقد حاجبيه مستاءً وصاح عليهما:

ـ أنتِ بتهزي رأسك له؟ وأنت مالك مبتسم كده ليه؟

نال "يزيد" ما أراد وركض من أمامهم صائحاً بسعادة:

ـ عشان "زوزو" بتحبني أكتر منك يا بابي!

تجلجلت ضحكات "زينب" عندما وجدت "صالح" يندفع راكضاً وراءه.

....

غادر "قصي" منزل عمه وفي صدره ثقل يخنقه، اتجه نحو سيارته بخطوات فاترة وكأن ليس منذ ساعات فقط كَان يعقد قرانه على ابنة عمه التي جعلته أمام نفسه مغفلاً.

لطم بقبضة يده سقف سيارته مغمغماً بغضب:

ـ كنتي عايزة تهربي مع الدكتور يا "سما"؟ بعد استغفاله وجرحه ليكي لسه بتجري وراه...

وبحرقة أردف وهو يتجه بأنظاره نحو الطابق الذي يسكن فيه عمه:

ـ هنتحاسب حساب عسير يا بنت عمي.

أشاحت "يسرا" وجهها بضيق عندما وجدت "سما" تنهض فجأة من بينهم بعد أن سألها الجد عن سبب شرودها.

ـ مالها البنت يا "يسرا"؟ ولا كأن النهاردة كان كتب كتابها...

وبحاجبين معقودين بصرامة دارت عيناه بينهم:

ـ بنتك فيها إيه يا "مصطفى"؟ لتكونوا غاصبينها على موافقتها!

شحب وجه "مصطفى" ونظر نحو "هشام" شقيقه، فصاح "نائل" وهو يعتدل في جلسته:

ـ شكل الموضوع كله عندك يا سيادة المستشار.

أخفى "هشام" توتره سريعاً ونظر نحو "يسرا" التي انسحبت خشية مما هو قادم:

ـ اهدى كده يا سيادة اللواء وأنا هفهمك كل حاجة.

أطرق "مصطفى" رأسه، فهز "نائل" رأسه بخزي من شخصية ابنه الضعيفة وعدم تحكمه في أمور عائلته:

ـ قوم يا دكتور يا جامعي شوف بنتك.

تنهد "هشام" بفتور ثم وضع يده على كتف شقيقه قائلاً:

ـ سيبني مع سيادة اللواء يا "مصطفى" وأنا هشرح له أسبابنا.

أنهى "صالح" مكالمته مع والدته بعد أن طمأنها عليهم، ثم انطلقت تنهيدة طويلة من شفتيه عندما وجد "زينب" تحدق في هاتفها.

ـ مالك بتبصي في التليفون كده ليه؟

رفعت "زينب" رأسها عن الهاتف وهتفت بصوت مهزوز:

ـ "سما" كانت بعتالي رسالة من ساعات بتقولي إنهم ضحكوا عليها وخدعوها...

وضع "صالح" يديه على كتفيها حتى يمسدهما وقال:

ـ أنا قولتلك الموضوع فيه حاجة مش مفهومة، اتصال سيادة المستشار بيا واعتذاره إن كل حاجة جات من غير ترتيب كان غريب لكن أنا ماشغلتش بالي وتقبلت الأعذار...

وواصل حديثه بصوت ضاحك:

ـ لكن سألت نفسي وقولت: فين "زوزو" من اتصالاتها اللي بتخليني حاسس إن في مصيبة على وشك الحدوث...

زمت "زينب" شفتيها بمقت، فصدحت ضحكاته:

ـ "يزيد" قام بالواجب وخليتوني أرجع البيت زي المجنون.

ـ "صالح".. هو أنت بتخاف عليا بحق وحقيقي؟

قهقه بمتعة لا يجدها إلا معها ومع صغيره الذي صار مشاغباً مثلها:

ـ لأ، بعمل كده تمثيل عشان الكاميرا الخفية!

ظهر الامتعاض على وجهها ليستمر في قهقهته:

ـ "صالح" ما تهزرش...

توقف عن الضحك ثم وضع يده على شفتيه غامزاً لها بطرف عينه:

ـ حلو كده؟ أه على الهيبة اللي ضاعت، فينك يا "شاكر" باشا عندك حق لما بتقولي مدلعها دلع ماسخ حفيدة اللواء "نائل".

التوت شفتيها بحنق:

ـ ما أنا كنت اختياره وفضل يرسم ويخطط عشان يضحك على جدو ويوافق على الجوازة بسرعة.

تنهد"صالح" وجلس جوارها على الفراش ثم اجتذبها إلى صدره:

ـ هفضل أقولها ليكي عمري كله يا "زينب"، أنتِ النور اللي دخل حياتي وحياة ابني.

ترقرقت الدموع في عينيها والتفتت إليه، فضحك وهتف مازحاً بسبب رؤيته لدموعها:

ـ يا حبيبتي هو أنتِ بقيتي عاملة توكيل مع العياط؟ لأ فوقي ليا كده، عايزك ترجعي "استرونج" كده عشان نفاجئ "شاكر" باشا بالحفيد.

قوست شفتيها بتذمر وقد فاجأته بردها الذي أذهله:

ـ أنا استرونج وأعجبك أوي أوي، وإياك تطلع الروح الشريرة اللي جوايا!

ضحك بقوة حتى دمعت عيناه، لا يصدق أنه قد أتى اليوم الذي يرى فيه سلاطة لسان النساء ويكون مستمتعاً:

ـ أيوة كده يا "زوزو"، أنا عايز قطة بتخربش.

ضاقت حدقتا "زينب" بتساؤل صار يعلمه، فاستمر في مشاكستها بمتعة:

ـ فوقيلي كده عشان عايز أعيش الليلادي دور سيد المعلمين...

هذه المرة كانت تشاركه الضحك وتشاركه المزاح:

ـ ناوي تتقمص الليلادي دور المعلم...؟

أسرع بالرد وهو ينهض من جوارها ويزيح عنه سترته:

ـ "شور" يا بيبي...

وهذا الجنون الذي لم يعرفه يوماً تعلمه على يديها بعد أن استعادت هي روح طفولتها التي انطفأت مع نكبات الدهر.

أصاب الذهول ملامح الجد عندما اتضحت له الصورة كاملة وقد فهم الآن سبب نظرات "سما" إليه.

ـ فين "يسرا" و "سما" ؟ أنا حفيدتي ما تعملش كده...

وبصوت جهور أخذ ينادي عليهن بعد أن احتقن وجهه غضباً:

ـ "يسرا".. "سما" !

نفض "هشام" غيظه سريعاً لعدم تصديق والده له والتقط يده:

ـ اهدى يا سيادة اللواء.

ازاح "نائل" يده عنه وصاح به:

ـ عايزني أهدى إزاي بعد ما خذلت حفيدتي ؟ مش كفاية "زينب" بسببكم جوزتها وأنا عارف عقلية "شاكر"...

بدأت أنفاس "نائل" تضيق، فصرخ "هشام" على شقيقه:

ـ "مصطفى".. "مصطفى"!

خرج "مصطفى" من غرفته مهرولاً تتبعه "يسرا".

فتحت "سما" عينيها فزعاً عندما استمعت إلى أصوات الجلبة التي تحدث وصراخ عمها على والدها بأن يهاتف الطبيب.

أنصتت "أشرقت" إلى حديث والدتها وقد تفاقم ذلك الشعور القاتل في ثنايا روحها المحطمة.

ابتلعت لعابها بمرارة وأخفضت برأسها نحو كوب الحليب الذي ظنت فيه الدفء بعد أن التقطته من يدي والدتها.

ـ شكل كلامي مش عاجبك يا سيادة المستشارة...

صمت "أشرقت" أكد لـ "لبنى" أن حديثها بالنسبة لابنتها مجرد هراء. نهضت "لبنى" صائحة، وما ساعدها في أخذ راحتها بالكلام أنهن بمفردهن بالمنزل:

ـ قوليلي إيه مش عاجبك في كلامي؟ مش كفاية كسرتك لفرحتي بيكي؟ مش كفاية نظرة الحقير لينا اللي كلها شماتة...

وبأنفاس هادرة أردفت "لبنى":

ـ الحقير جالي هنا وهددني بأخوكي وبسببه وافقت على ارتباطه من "سما".

أسدلت "أشرقت" أجفانها وهي تبتلع تلك الغصة التي صارت لا تغادر حلقها؛ فما يقصم ظهرها أمام "مراد" هم عائلتها.

ـ أنتِ ساكتة ليه؟ ردي عليا.. كل ده بسببك أنتِ!

انسابت دموع "أشرقت" وبصوت خافت غمغمت:

ـ أنا آسفة.. آسفة...

توقفت "لبنى" عن الدوران حول نفسها وقطبت حاجبيها ثم اندفعت نحوها تهزها بكل قوتها:

ـ آسفة هترجع إيه؟ هترجع كرامتنا اللي ضاعت ولا خيبتي فيكي؟ سرقتي فرحتي ووطيتي رأسنا!

ـ كفاية يا ماما، أبوس رجلك كفاية حرام عليكي...

قالتها بتوسل عندما انسكب ما تبقى من كوب الحليب على بلوزتها. اشتد جنون "لبنى" وصرخت بوهن:

ـ أنتِ السبب، أنتِ سبب كسرتي وخوفي من فضيحتك، سلمتي له نفسك ليه؟

التقطت "أشرقت" أنفاسها بصعوبة وهتفت بوعيد لا تستطيع فعله:

ـ هقتله يا ماما، هقتل "مراد" وأريحك وأرتاح منه!

شعرت "لبنى" باختناق أنفاسها، فابتعدت عنها وهي تضع يدها على صدرها:

ـ حاسة قلبي هيقف، مش قادرة آخد نفسي.

انخلع قلب "أشرقت" عند رؤيتها لها بتلك الحالة وصرخت بهلع:

ـ ماما.. ماما!

أطبق "عزيز" على يده بقوة بعد أن وجدها تنكمش على نفسها حينما لمس ظهرها، بل ولم تكتفِ بهذا، فقد صدمه رؤيتها تتخذ طرف الفراش مساحة لها بعيداً عن حضنه.

ـ "ليلى"، ممكن تقوليلي أنتِ زعلانة من ليه أو فيكي إيه؟

وبتنهيدة خرجت بعمق من أضلعه أردف:

ـ أنا من ساعة ما رجعت من تركيا وشوفتك واقعة وعم "سعيد" بيصرخ عليكي وأنا مش فاهم حاجة...

أغلقت عينيها حتى تسيطر على دموعها، فهي إذا تحدثت الآن ستجعله مثلها يسأل نفسه كل ليلة ما الذي فعله بحياته حتى ينخدع في كل من حوله وأولهم ابن شقيقه الذي يراه ابناً وسنداً له.

ـ "ليلى"، أنتِ عايزة إيه؟ قوليلي...

عندما لم يجد منها رداً واصل حديثه بحزم:

ـ اعملي حسابك هنرجع الفيلا تاني...

فتحت عينيها وانتفضت من رقدتها متسائلة:

ـ أنت قولتلي إنك هتسيبني أختار وأنا قولتلك إني عايزة أعيش هنا!

سحب نفساً طويلاً ثم زفره:

ـ أنا كلها كام يوم وأسافر لـ "نيرة" وبعدين على تركيا، قوليلي هسيبك هنا إزاي لوحدك؟ ولو على وجود "سيف" في الفيلا هو مبقاش موجود فيها خلاص، اطمني.

قاومت انفلات ضحكتها الساخرة عند كلمة "اطمئنان" لم تشعر به داخل أسوار منزله الذي حسدتها عليه "سلوى" زميلتها:

ـ أنا مبحبش الفيلا يا "عزيز" ومش هرجعها تاني.

ضاقت حدقتاه، فأسرعت بالرد حتى تحسم هي القرار لأول مرة:

ـ أنت وعدتني تعمل أي حاجة أنا عايزاها، ولا

"عزيز الزهار" وعوده كدابة؟

ورغم اختناقه بشعور بدأ شيطانه يدسه داخله، إلا أنه نفض هذا سريعاً وطأطأ برأسه قائلاً في نفسه:

"جيه وقت التنازل يا "عزيز"، وما دام مش قادر تواجه نقصك وتنكسر قدامها يبقى لازم تقدم تنازلات."

مررت يديها المرتعشتين في خصلات شعرها بضياع وقد استطاعت أخيراً التقاط أنفاسها بعد أن رأت والدتها تتنفس بانتظام وعادت الدماء إلى وجهها.

ـ ماما أنتِ متأكدة إنك بقيتي كويسة ومش محتاجة تروحي المستشفى؟

لم تجب "لبنى" عليها واكتفت بإغلاق عينيها، فاقتربت منها والتقطت يدها:

ـ أكلم "قصي" و "علي" يجيبوا الدكتور.

وبصوت متحشرج ومهزوز أردفت:

ـ خلاص أكلم بابا، بليز يا ماما ردي عليا.

فتحت "لبنى" عينيها ونظرت إليها بنظرة طويلة:

ـ عايزاني أكون كويسة يبقى تسمعي الكلام...

تحجرت عينا "أشرقت" وكادت أن تهز رأسها رافضة لكن "لبنى" قاطعتها قائلة بنبرة لا تقبل النقاش:

ـ هنتفق معاه ناخد نص ثروته وياخد الطفل يشبع بيه، لازم ندفعه التمن غالي ما دام مش عارفين نمسك حاجة عليه...

توقفت "زينة" عن السير ونظرت إلى "نيفين" صديقتها التي ما زالت تلح عليها حتى تخبرها بهوية ذلك الرجل الذي تواعده.

ـ وهتفضل علاقتكم في السر لحد أمتى يا "زينة"؟

أطرقت "زينة" برأسها، فهي بعد اكتشاف خالتها لأمر تلك الحبوب التي ظنت أن وضعها لها في عبوة دواء آخر لن يستطيع أحد معرفة غرضها الطبي إذا وجدها.

ـ مينفعش علاقتنا تظهر دلوقتي.

خرجت صياحة قوية من شفتي "نيفين":

ـ وليه مينفعش؟ "زينة" ده كده بيضحك عليكي!

رفعت "زينة" برأسها ثم أخذت تهزها برفض:

ـ لأ، لأ هو بيحبني بجد...

كادت أن تتحدث "نيفين" وتخبرها بتلك العواقب التي ستحدث إذا انكشفت هوية ذلك الرجل:

ـ "نيفين".. خالتو لحد دلوقتي نظرتها ليا كلها شك، وموضوع إني باخد الحبوب عشان السبب اللي قولتيهولي أقولها عليه مش داخل عليها، ديه عايزاني أروح معاها لدكتورة وهي بنفسها تطمن.

عقدت "نيفين" حاجبيها وقد أخذها عقلها بعيداً عن الأمر الطبي الذي أخبروا به "إلهام" حتى تصدقهن:

ـ "زينة"، أنتِ قولتيلي إنك مش منتظمة في الحبوب.

نظرت إليها "زينة" بتوجس، فألقت "نيفين" ببقية حديثها الذي اهتزت معه حدقتا "زينة":

ـ أنتِ لازم تعملي اختبار حمل وتتأكدي إنك مش حامل، وبعد كده تقطعي علاقتك معاه...

وبنبرة صوت مرتعشة أردفت "نيفين":

ـ أنتِ أهو بتقولي إن الكلام اللي اتفقنا نقوله لخالتك عن الحبوب مدخلش عليها، يبقى لازم تتأكدي إنك مش حامل يا "زينة"...

زفر "بسام" أنفاسه بسأم ثم استند على العكاز الذي ما زال يلازمه وأكمل سيره نحوها. توقفت "سلوى" عن اللعب بهاتفها ثم ألقته على الطاولة بضيق، وقد ظنت أنه لن يأتي كما اتفقوا.

ـ خير يا "سلوى"، مصممة ليه تقابليني؟

أجفلها بتساؤله، فالتفتت "سلوى" إليه وعلى شفتيها ابتسامة اختفت في لحظة رؤيتها له وهو يستند على العكاز.

توقفت سيارة "هارون" للمرة الثانية في تلك الحارة التي عندما يصطحبه إليها سائقه تصيبه الدهشة ويظل يتساءل: ما الذي يدفع سيده للمجيء إلى هنا؟

ـ أطلع كل حاجة اشتريناها من شنطة العربية يا بيه؟

رمقه "هارون" بنظرة مستاءة من سؤاله الذي لا يرى فيه إلا غباءً ثم ترجل من السيارة.

اجتذبت تلك الأكياس العديدة وهيئة "هارون" أنظار إحدى الجارات من شرفتها لتتساءل وهي تلوي شفتيها بسخرية:

ـ هي "سماح" بنت الجنايني طلع ليها قرايب مهمين وأحنا ما نعرفش؟

وبنظرة التمع فيها الخبث:

ـ أنا لازم أعرف البيه ده يقرب ليها إيه؟

تجمدت حدقتا "عزيز" عندما توقف بسيارته وأبصر خروج "بيسان" من تلك البناية التي صار ابن شقيقه يسكن فيها...

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

لماذا هو اليوم هنا بعد أن طردته من منزلها وأخبرته أن يتركها بحالها؟

والسؤال الآخر الذي لا يجد له إجابة، ما هذا الشعور الذي يغمره وهو يرى سعادة صغيريها بهداياه؟

ـ شكرًا يا عمو، تعال عندنا كل يوم.

قالها الصغير أنس وهو منشغل في اللعب بلعبته باهظة الثمن، فزجره شقيقه محمود بنظرة التقطتها عينا هارون على الفور.

اقترب الصغير أنس من شقيقه محمود وهمس في أذنه وقد ظن أن صوته لن يسمعه إلا شقيقه:

ـ عمو هارون طيب وبيجيب لينا هدايا حلوة يا محمود.

عقد هارون حاجبيه مبتسمًا، فعفوية ذلك الصغير أنس تتسلل إلى فؤاده دون مجهود منه.

ـ أنس تعال معايا.

هتف بها محمود وهو يجتذب ذراع أنس حتى يترك لعبته ويتحرك معه.

تذمر أنس قائلًا:

ـ خليني آخذ لعبتي معايا.

تنهد محمود بغضب من أفعال شقيقه:

ـ اسمع الكلام يا أنس لأحسن أقول لـ ماما لما ترجع من السوق.

أغلق الصغير محمود باب الغرفة أمام أنظار هارون المسلطة عليهما، وسرعان ما ضاقت حدقتاه عندما بدأ عقله يستوعب ما يحدث.

أخفض رأسه وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة، فما يفعله ذلك الصغير محمود يذكره بما كان يفعله شقيقه معه في الصغر قبل أن تفرقهما الأيام في الكبر وتأخذهما في دوامتها وصراعاتها.

ارتفع صوت الصغيرين فجأة وكأن كل واحد منهما يريد فرض رأيه على الآخر، والرأي لم يكن إلا على وجوده كضيف في منزلهم.

ـ عمو هارون طيب يا محمود وماما قالت لنا إن جدو كان شغال عنده في الجنينة بتاعته.

وبصوت مبتهج أردف الصغير أنس، فهو وحده من بدأ يرى هارون فانوسهم السحري:

ـ شفت هو جايب لينا حاجات حلوة إزاي؟

ـ إحنا مش محتاجين حاجة من حد يا أنس، ماما بتشتغل وهتجيبلنا كل حاجة نفسنا فيها.

زمَّ الصغير أنس شفتيه بعبوس، فوضع محمود يديه على كتفيه وكاد أن يتحدث لكن أنس قاطعه بتذمر قائلًا:

ـ أنت كنت فرحان زيي باللعب يا محمود.

وأردف بنبرة صوت لامست قلب هارون:

ـ إحنا عمرنا ما جالنا لعب حلوة كده.

ـ ماما مش هترضى ناخدها يا أنس بلاش بقى تفرح بيها وكأنها بتاعتنا.

طأطأ الصغير أنس رأسه في حزن، فارتعشت أهداب هارون بتأثر قوي وتراجع بخطوات واهنة عن الباب حتى يعود إلى مكان جلوسه قبل أن يخرج الصغيران.

ـ خلينا نشبع لعب بيهم قبل ما ماما تيجي...

ـ عشان خاطري يا محمود.

ولم يكن أمام محمود سوى الموافقة، فهو الآخر مثله يرغب بامتلاك تلك الألعاب لكنه يخشى من رؤية العجز في أعين والدته عندما تراهم سعداء بهدايا هذا العم وهي لا تستطيع أن تحضرها لهم لأنهم لا يمتلكون إلا القليل من المال الذي يكفي طعامهم.

خرج الصغير أنس أولًا وأسرع بالهتاف إلى هارون الذي رفع رأسه ناحيته:

ـ أنت أكيد زهقت وأنت لوحدك يا عمو.

هز هارون رأسه سريعًا وقد تلاقت عيناه بعيني محمود الذي يراه بعمره الصغير وجسده الضعيف رجلًا يعتمد عليه.

ـ على فكرة أنا جبت أكل كمان معايا، إيه رأيكم نحطه في الأطباق وناكل سوا لأن أنا جعان... أنتوا مش جعانين؟

أسرع أنس بالرد، فاحتقن وجه محمود غضبًا من شقيقه:

ـ أيوه جعانين يا عمو.

ارتبكت ليلى عندما بدأ منزل الجد نائل يكتظ بأفراد العائلة.

نظرت حولها تبحث عن زينب التي اختفت فجأة من المكان بعد أن أتى زوجها.

ـ عارفة اللي يشوفنا يقول قمة الترابط والحب لكن من جوه هلا هلا ومن بره يعلم الله.

غمغمت بها سما قرب ليلى التي انتفضت فزعة والتفتت إليها.

ـ بقولك الحقيقة عشان متنبهريش.

ابتلعت ليلى ريقها، فنظرت إليها سما بنظرة ثاقبة:

ـ ليلى ممكن تيجي معايا نتكلم في الفرندا شوية؟

قطبت ليلى جبينها بحيرة، فاجتذبتها سما من يدها:

ـ أنتِ مترددة كده ليه؟ تعالي مافيش حد هيساعدني غيرك.

زفر بسام أنفاسه بسأم ثم التقط ذلك المشروب البارد حتى يبتلع ثرثرة سلوى التي لا نفع منها.

ـ إحنا من ساعة ما قعدنا وأنتِ مبتتكلميش في حاجة مهمة يا سلوى.

امتقع وجه سلوى، فهل ثرثرتها عن عريسها الذي ستزف إليه بعد أيام شيء ليس مهماً؟

ـ ادخلي في الموضوع المهم يا سلوى وقوليلي إيه السر اللي خبته ليلى عني وكانت عايزة تعترف لي بيه؟

أخذت سلوى نفسًا عميقًا واسترخت على المقعد الجالسة عليه قائلة:

ـ يعني كلامي عن نفسي وخطيبي مش مهم وكلامي عن ليلى مهم يا سي بسام؟ ماشي يا سيدي نعديها ليك.

شعر بسام بالحرج وقد ظهر هذا بوضوح على ملامحه، فابتسمت سلوى وهي تهز رأسها هازئة.

ـ سلوى أنا شكلي بضيع وقتي معاكي، عن إذنك.

كاد أن ينهض، فأسرعت سلوى بوضع يدها على يده:

ـ أنا هدخل في الموضوع على طول لأن أنا كمان وقتي الفترة دي مش ملكي.

وبابتسامة واسعة وهي تتلاعب بأظافرها المطلية بطلاء الأظافر أردفت:

ـ عروسة بقى..

افتر ثغر بسام باستياء وهمس في نفسه:

ـ الله يعينه على الابتلاء.

نظرت إليه سلوى ثم تنهدت:

ـ ليلى كانت بتحبك يا بسام وعمها أجبرها إنها تتجوز عزيز بيه.

انمحت ابتسامة بسام وخفق قلبه، فأسدلت سلوى أجفانها حتى تخفي عن عينيه نظرتها الماكرة.

ـ أنا ندمانة لأني شجعتها وندمانة أكتر لأني خبيت عنك حب ليلى رغم أني كنت عارفة بحبك ليها وشايفاه.

وبنبرة صوت شجية مصطنعة استطردت قائلة:

ـ ليلى من ساعة ما اتجوزته وقطعت علاقتها بكل البنات زميلاتها في المصنع وأولهم كنت أنا.

توقفت عن الكلام ثم استكملت حديثها بدهاء:

ـ سمعت إنه بقى حبسها في البيت من يوم موت عمها... أنا حاسة بالذنب أوي أني شجعتها تبص لـ عزيز الزهار لأنه البيه وهيعيشها كويس وبلاش تخلي قلبها يحركها.

أطلق بسام زفرة طويلة تحمل حيرته، فهو لا يصدق سلوى لكن فضوله يتحكم به.

ـ أنت أكيد طبعاً مش مصدقني يا بسام وأنا عذراك لكن أنا قلت أصارحك قبل ما أسافر مع جوزي.

حدق بسام بها، فواصلت حديثها:

ـ حاول تتواصل معاها، مين عالم يمكن لسه ليكم نصيب مع بعض...

وحتى تزيد من قناعته نحو تلك الفرصة قالت:

ـ أنا كنت فاكرة إن أهم حاجة في الجواز هي الفلوس لكن...

ضم بسام كلا حاجبيه متعجبًا من صمتها فجأة ثم تلك التنهيدة الطويلة التي خرجت من شفتيها:

ـ الحب غير لي مفاهيم كتير يا بسام ويا بخت اللي يتجوز حبيبه.

التوت شفتا بسام بسخرية، فلو صدق جميع كلامها لن يصدق تلك القناعة التي صارت سلوى تتمتع بها اليوم.

اختفى الاسترخاء عن ملامح ليلى وهي ترى سما تمسك يديها متوسلة:

ـ ليلى، أنا مافيش حد يقدر يساعدني غيرك دلوقتي.

ابتلعت ليلى ريقها ونظرت حولها بتوجس، فهتفت سما برجاء:

ـ أنا هخليهم بس يدوروا عليا لحد ما ييأسوا ويحسوا بالفضيحة وبعدين هظهر ليهم.

استطاعت ليلى أخيرًا استيعاب ما أخبرتها به سما:

ـ عايزة نصيحتي يا سما؟

زفرت سما أنفاسها بضيق قائلة:

ـ خلاص يا ليلى اعتبريني محكتش ليكي حاجة.

التقطت ليلى ذراعها حتى لا تتحرك وهتفت بصوت خافت:

ـ سما أنا بحبكم أوي كعيلة جميلة.

ظهر الاستنكار على وجه سما، فأردفت ليلى بعد أن تنهدت بحزن:

ـ تفتكري سيادة اللواء هيقدر يستحمل موقف زي ده؟

أنتِ نفسك قلتي إنه من ساعة ما عرف الحقيقة وهو لا بيكلم عمك ولا مامتك ولا باباكي وبنفسي شفت تجاهله ليهم، ده غير سيادة الرائد شكله وهو خارج من أوضة سيادة اللواء كان باين عليه الحزن وعايز يكلمك.

أشاحت سما بوجهها حتى لا تتأثر بحديثها.

ـ سما قوليلي هتستفادي إيه لما توصليهم لمرحلة الجنون من اختفائك يوم الفرح؟

أطبقت سما أجفانها وزفرت أنفاسها بمقت:

ـ قلتلك يا ليلى هظهر وقت ما أعرف أنهم وصلوا لمرحلة اليأس وبقوا خايفين من الفضيحة.

ـ ليه تعملي فضيحة لنفسك ما دام هتكملي؟

رد ليلى جاء سريعًا، فاستدارت سما بجسدها واتجهت نحو الشرفة تقبض بيديها على حافة السور:

ـ مين قالك إني هكمل يا ليلى؟

وأردفت بعد إخراج زفرة عميقة حملت معها إرهاقها:

ـ أنا وقصي مبنحبش بعض يا ليلى، أنا كنت مجرد اقتراح وهو لما قيم الاقتراح لقاني مناسبة من كل النواحي.

توقفت سما عن الكلام ومسحت دموعها ثم ابتسمت ساخرة:

ـ جوازة مبنية على الخداع والمظاهر الكدابة.

أطرقت ليلى برأسها وعلى شفتيها ابتسامة حزينة:

ـ مش كل الجواز المبني على الحب ناجح يا سما.

التفتت إليها سما، فأطلقت ليلى تنهيدة طويلة:

ـ عارفة جوازتك دي كلها مش مفهومة، وساعات كتير الحاجات اللي بنرفضها ونكرهها بعدين بنتعلق بيها وبنحبها.

دخلت سماح الشقة بأكتاف متدلية وفي عينيها نظرة انكسار على حالها بعد إهانتها على يد عساكر دورية الشرطة المكلفين بتأمين الأسواق.

صوت صغارها المبهج جعلها رغماً عنها تبتسم، لكن مهلاً هناك صوت آخر يتداخل مع أصواتهم.

سقطت الأكياس التي بيديها ثم نظرت حولها تبحث عن صغارها بفزع:

ـ أنس، محمود، أنتوا فين؟

انتفض محمود من مكان وقوفه وهرول إليها قائلًا بخوف:

ـ عمو هارون بيصلح لينا حنفية الحوض.

ضاقت حدقتا سماح ونظرت إلى الممر الضيق الذي جاء منه صغيرها والذي يوجد به مطبخها الصغير والحمام.

ـ أنا كل يوم قبل ما أمشي الصبح أقولكم إيه؟

هتفت غاضبة عندما تأكدت من وجود هارون في شقتها وكأنه لا يهتم بآخر حديث دار بينهما.

أطرق محمود رأسه ثم بدأ بفرك يديه:

ـ بتقولي لينا منفتحش الباب لحد منعرفهوش ولا ناخد حاجة من حد.

وبسرعة أردف الصغير محمود:

ـ أنا مكنتش عايز ألعب باللعب ولا آكل لكن أنس قالي...

رفع رأسه حتى يرى ردة فعل والدته والتي للتو انتبهت على الأغراض التي أتى بها هارون:

ـ سامحيني يا ماما مش هعمل كده تاني ولا هسمع كلام أنس.

خرج أنس بملابسه المبتلة مختبئًا وراء جسد هارون ورد بنبرة صوت مهزوزة:

ـ ماما آخر مرة وهسمع الكلام بعد كده.

تلاقت عينا هارون بعينيها ثم صاحت بصوت مرتفع:

ـ أنت عايز مني ومن ولادي إيه يا بيه؟

والرد لم يكن موجودًا ولم يجد أمامه إلا خفض رأسه بحرج.

ـ أنا قلتلك إننا مش محتاجين إحسان من حد.

رفع هارون رأسه مندهشًا في أمرها وهتف وهو ينظر في عيني الصغير محمود:

ـ وأنا مش بحسن عليكم يا سماح، وبجد وجودي مع ولادك رجع ليا ذكريات حلوة مليانة دفء.

هزت رأسها مستهزئة من حديثه، فهي تعلم نواياه الخبيثة نحوها:

ـ بقى هارون بيه سايب القصر بتاعه وخدمه وحشمه وجاي يحس بالدفء في بيت بنت الجنايني؟

ـ ماما عمو هارون طيب وبيحبنا.

تمتم بها الصغير أنس بعد أن أظهر وجهه من وراء جسد هارون.

احتدت ملامح سماح، فابتسم هارون وكاد أن يتحدث.

ـ أنس تعال اقف جنب أخوك وحسابي معاك بعدين.

ارتجف الصغير أنس من شدة خوفه ثم سار نحو شقيقه وطأطأ رأسه.

لم تنتبه بعد على ابتلال ملابس صغيرها ، فغضبها من وجود هارون في شقتها للمرة الثانية يشل عقلها عن التفكير ولا ترغب بشيء هذه اللحظة إلا الخلاص منه دون رجعة.

ـ ممكن تتفضل تاخد حاجتك وتمشي من هنا وياريت عطفك توفره لحد محتاج.

اتجهت عيناه بتلقائية نحو المفتاح الذي كان يصلح به صنبور المياه ثم إلى قميصه المبتل.

أسرعت بألتقاط المفتاح منه وأشارت نحو الأشياء التي أتى بها:

ـ خد حاجتك يا بيه واتفضل من غير مطرود.

دارت عينا الصغيرين بينهما، فشعر هارون وكأن دلو من الماء البارد انسكب فوق رأسه:

ـ هكلم السواق بتاعي.

ثم أردف بعد أن عاد لتأمل هيئتها:

ـ أنتِ ليه لبسك متبهدل كده؟ وليه حتى وشك متعفر بالتراب؟

ابتلعت سماح ريقها بغصة:

ـ أكل العيش مر يا بيه لكن ما دام بالحلال نبلع مرارته وإحنا راضين وحامدين.

تهاوى سيف بجسده على تلك الأريكة القديمة التي تشبه كل أثاث الشقة ثم أخفى وجهه بين كفوف يديه متمتمًا بوجع وأنفاس ثقيلة:

ـ سامحيني يا بيسان، كان لازم أجرحك وأقولك إنك كنتي مجرد لعبة عايز أوصل ليها وإني كنت بضحك عليكي لحد مخليتك تسيبي خطيبك.

انسابت دموعه، فأسرع بمسحها قائلًا بكره وهو يتخيل آخر ابتسامة خبيثة رآها على وجه والدته:

ـ أنا دلوقتي فهمت ليه عمي كان بيبعدني عنها، عارف إنها لعنة على حياتنا...

أغلق أجفانه بقوة حتى يقاوم تلك الدموع التي كادت أن تغزو مقلتيه مرة أخرى.

بدأت بعض اللقطات تتسلل إلى ذاكرته منذ أن عاد إلى أرض الوطن؛ أمه كانت بارعة في استغلال شتات نفسه وسيطرة شيطانه عليه، ولولا ما فعله عمه عندما أقحمه بالعمل معه لاستمر في طريق ضياعه.

خرج عزيز من سيارته بوجه مكفهر ونظر جهة سيارة بيسان التي مرت من جواره ولم تنتبه إليه بسبب بكائها الشديد، وقد اتضح هذا على وجهها عندما سقطت عيناه عليها.

فرك جبينه ثم زفر أنفاسه بفتور وأغلق باب السيارة.

بخطوات بطيئة سار نحو تلك البناية واستمر في زفر أنفاسه.

ثقلت أقدامه عند صعود الدرج، فالقرار الذي اتخذه صعب لكن لا تراجع فيه، وقد اكتفى من كل شيء وعليه إغراق السفينة التي ظل سنوات يتقبل أضرارها دون أن يرى نفعاً منها.

ـ الحقيقة بتكون صعبة بس بتريح يا ابن أخويا، وبدل ما كل شوية تنصدم من الدنيا خد كل حاجة مرة واحدة وبعدها هتقدر تتعافى لأن ابن سالم الزهار راجل.

غمغم بها عزيز عند وصوله للطابق الذي توجد به الشقة التي وصفها له زميل ذلك العامل الذي يعمل لديه هو الآخر.

وقف عزيز أمام باب الشقة بعد أن ألقى بنظرة مترددة نحو الشقة الأخرى ثم أخذ نفسًا طويلًا.

في ميلانو، إحدى مدن إيطاليا، يجلس مراد مسترخيًا أمامه على الطاولة فنجان من القهوة وفي يده السيجار الكوبي، وقد اتكأ برأسه إلى الوراء مستندًا على ظهر المقعد الجالس عليه.

ـ ميعاد الطيارة بعد خمس ساعات.

قالها عدنان وهو يسحب المقعد الذي قبالته وجلس عليه.

ـ قرب مراتك من سيلين مش مريحني، الستات مش بيقربوا من بعض غير وبعدها بتيجي كارثة.

ألقاها عدنان صريحة، فهو لا يفضل تقاربهن خاصة أن أشرقت صار يأتي من ورائها صداع رأس.

اعتدل مراد في جلوسه ورماه بنظرة تحمل سخرية مماثلة:

ـ والله يا باشا أنا عايزك تبعد مراتك عن مراتي لأن مراتي أنا قادر أسيطر عليها كويس.

صدحت ضحكات عدنان عالياً، فلو كان ألقى عليه مزحة ما كان ضحك هكذا.

تجهم وجه مراد وانتفخت أوداجه من الغضب، فضحكات عدنان لم تنقطع.

ـ معلش يا مراد، بقالي مدة مسمعتش نكتة حلوة.

انمحى الغضب عن ملامح مراد، فهو لا يحتاج أثناء التعامل مع والده إلا البرود الذي أصبح يتقنه على يديه.

ـ مراد بنت المستشار عايزة قرصة ودن.

ـ إياك تكون فاكر مبيوصليش إنها بتدور ورانا عشان توقعنا، مالك يا ابن عدنان بقيت ناخخ كده؟

وبامتعاض أردف:

ـ ده اللي يشوفك يوم فرحكم يقول هتخليها تقول سمعًا وطاعًا.

دس مراد السيجارة بين شفتيه ثم نفث ما عبأه في صدره من دخان ثم قال وهو يعود لاسترخائه:

ـ أنا عايزها تدور عشان وهي بتدور هتكتشف إن باباها العظيم سيادة المستشار متورط في حاجات كتير.

هز عدنان رأسه غير مقتنع ونظر إلى أحد رجال مراد الواقفين:

ـ أنت حر معاها...

افتر ثغر مراد باستهجان، فزفر عدنان أنفاسه بضيق:

ـ خلينا نتكلم في الأهم، أبعد رجالتك وتهديدهم عن أنجي.

بحاجبين معقودين تساءل مراد وكأنه لا يعلم مقصده:

ـ أنجي مين؟

نظر إليه عدنان بنظرة ساخطه وصاح بضجر:

ـ مراد مش على بابا، وأنت عارف كويس إن أنجي هي مروة مرات أبوها...

وبحنق أسترسل عدنان:

ـ صالح الزيني مش ساكت وقريب هتلاقيه اكتشف إن اللي بيدور عليها عايشة معاه في نفس العمارة وبقت تدخل بيته.

ضغط مراد بأصابعه على السيجارة وغمغم بخفوت:

ـ غبية، إزاي معرفتهاش ولا قلبها حس...

ابتسم عدنان عندما رأى الغضب مرتسماً على ملامحه:

ـ تعرف إن هدفي في الأول خالص من النسب مع عيلة نائل الرفاعي كان زينب لأني كنت عارف كويس أنك مرتبط بيها من طفولتك.

برقت عينا مراد بنظرة جعلت عدنان يشيح بوجهه عنه:

ـ لقيت حفيد شاكر الزيني سبقك وبعدين عرفت إن عندنا فرصة حلوة مع العيلة وهي بنت المستشار.

وبثغر منفرج ببهجة لا سبب لها إلا أن عدنان يعاني من خطب ما في عقله:

ـ ارفع إيدك عن زينب وأنا أجيبهالك راكعة تحت رجليك وأخليك تفوز ببنات العم الاتنين...

ضاقت حدقتا مراد وتساءل بثبات:

ـ وتعملها إزاي دي؟

داعبت شفتي عدنان ابتسامة عريضة واتكأ بساعديه على الطاولة:

ـ ارفع إيدك الأول عن زينب لأني عايز أخلص الموضوع في أسرع وقت وأخد الأرض من شاكر الزيني.

وبطرف عينه غمز له:

ـ سيبلي الحكاية أوعدك في وقت قصير هخليها ليك، لا وإيه والطفل اللي في بطنها من صالح الزيني هخلصك منه وجيب أنت الأطفال منها، وأمك لما تحس روحها بيهم هترتاح...

توقفت أشرقت بسيارتها أسفل البناية التي يسكن فيها جدها ثم نظرت إلى هاتفها الذي يصدح رنينه برقم والدتها:

ـ أنتِ فين؟ العيلة كلها هنا والكل بيسأل عليكي، مش كفاية جوزك اللي ظهوره وسطينا بقى معدوم والكل دايماً يسألني عليه، دي آخرة الجوازات اللي ست بتهدر فيها كرامتها.

ترقرقت الدموع في عينيها ، فوالدتها بارعة في زيادة بؤسها ونقمها على الآخرين:

ـ بقى زينب اللي كنا بنقول عليها مسكينة ومحدش كان يسمع ليها رأي في حاجة، تعالي شوفيها دلوقتي راسها مرفوعة بـ صالح الزيني، لا وواكلة بعقله حلاوة وقاعدة هي وهو حوالين جدك بيضحكوا ويهزروا معاه وبيحكوله عن آخر زعل كان بينهم وإزاي زينب كانت واخدة الموضوع بحساسية.

نظرت لبنى حولها حتى تتأكد من عدم وجود أحد قربها:

ـ تعرفي كانت زعلانه منه ليه...

أطبقت أشرقت على شفتيها حتى لا تخرج صرختها وتخبرها أن تتوقف عن كلامها الذي يحرق فؤادها.

ـ زعلانه منه عشان اشترى ليها شقة باباها، لا وإيه بيقول أنه مدفعش غير مبلغ بسيط عشان يكمل ليها على الفلوس.

تجهمت ملامح لبنى فجأة وبسخط واصلت حديثها:

ـ كنت عايزاكي أنتِ مكانها، أشوف جوزك فرحان بيكي وبيعملك كـ ملكة ولو طلبتي نجمة من السما يجيبهالك، آه يا حسرة قلبي، عملت إيه في حياتي عشان أتحسر الحسرة دي؟

أجهشت أشرقت بالبكاء وارتجف قلبها قهرًا، فأردفت لبنى بمقت:

ـ يفيد بإيه الندم؟ أنا هقفل قبل ما حد ياخد باله.

سقط الهاتف من يدها بعد أن انتهت المكالمة وبحرقة لطمت خديها:

ـ هقتلك يا مراد، مش هرتاح غير لما أشوفك ميت قدامي.

وبهستيريا بدأت تردد حديثها والدموع تسيل على خديها.

دقائق مرت وهي تجلس في سيارتها مستندة بجبينها على عجلة القيادة ثم رفعت رأسها بعد أن بدأ هاتفها بالرنين ولم يكن إلا اتصالاً آخراً من والدتها.

ابتلعت غصتها بمرارة ثم لمعت عيناها فجأة ببريق من الأمل عندما أبصرت تحرك صالح نحو سيارته.

عاد حديث سيلين زوجة عدنان يتردد صداه في أذنيها، فهي أخبرتها أن هناك شيئاً خفياً يربط مراد مع زيـنب وعليها البحث عنه، لتتمتم بعد أن مسحت الدموع العالقة بأهدابها:

ـ أستغل كلام سيلين حتى لو كان كدب وأضم صالح حليف ليا عشان أنتقم من مراد.

أستند عزيز إلى أقرب جدار بعد أن غادر الشقة وترك سيف وحده كما يرغب ورغمًا عنه انفلتت دمعة من عينيه:

ـ أنا اتجوزتها عشانكم زمان، لو كنت أعرف إنك لما تكبر هتفضل الذكرى جواك ووجعاك مكنتش وافقت.

ودمعة أخرى كانت تنفلت من عيناي عزيز عندما صرخ عليه وأخبره إنه كان يراها وهي تذهب إلى غرفته وترتدي ملابس لا تستر، وحينما كان يسألها بالصباح ماذا كانت تفعل عند عمه تخبره أن عمه صار  زوجها وعليها أن تنام جواره، ثم بعدها تضحك وتسأله هل سيفرح إذا أنجبت طفلاً من عمه، وعندما يثور عليها تحتضنه قائلة وكأن عقله الصغير سيفهمه:

"حبيبي أنا لازم أخلف من عمك، الطفل ده هيربطه بينا ولا أنت عايزه يتجوز واحدة تانية ويبعد عننا؟"

توقف عزيز عند مدخل باب تلك البناية وبأنفاس هادرة تمتم:

ـ منك لله يا سمية، خليتي ابن أخويا عايش عمره كله شايفني واخد حق أبوه ولولا حنيتي عليه وإني طلقتك كان الكره اتزرع جواه.

وبوجع أردف عندما تذكر عجزه عن الإنجاب، فربما كانت قد حملت منه تلك الليلة:

ـ الحمد لله إني طلعت مبخلفش.

تمالك نفسه ثم سار بوهن واتجه نحو سيارته وقبل صعودها أخرج هاتفه ليهاتف أولاً ذلك العامل الذي أعطاه عنوان هذا المنزل.

انتظر لثوانٍ حتى رد العامل بنبرة صوت قلقة:

ـ أيوه يا عزيز بيه، حاضر يا بيه...

نظر النادل نحو الطعام الذي لم يمسه هارون متسائلاً:

ـ الأكل مش عاجبك يا فندم؟

نظر إليه هارون ثم ابتسم:

ـ أكلكم على طول هايل، أنا الظاهر ماليش نفس.

ثم أردف بلطف يتمتع به:

ـ ممكن الحساب؟

أسرع النادل بالاستجابة لطلبه، وبذهن شارد نهض هارون لمغادرة المطعم.

ضاقت حدقتاه قبل صعوده سيارته عندما وجد اتصالاً من عزيز.

"عزيز الزهار غريبة!!"

تمتم بها ثم أجاب بتوجس:

ـ عزيز؟ عايزني أقابلك؟ موضوع مهم أوي؟ خلاص خلينا نتقابل في الڤيلا عندي أو تعالا ليا أنا في مطعم....

قاطعه عزيز ونظر نحو الطريق وهو يضغط بيديه على عجلة القيادة:

ـ لا خلينا نتقابل في مكان فيه خصوصية أكتر.

والمكان الذي اختاره هارون هو الذهاب إلى شركته التي خلت من الموظفين وقد انتهى دوام العمل.

تقابلا في ردهة الشركة ليحاول هارون نفض رأسه عن تلك المرأة التي أصبحت تجذبه بأفعالها وابتسم وهو يمد يده ليصافح عزيز.

ـ خير يا عزيز؟ قلقتني.

تساءل هارون عند دلفهما إلى المصعد.

أخفض عزيز رأسه متنهدًا:

ـ هتعرف كل حاجة يا هارون بيه...

أومأ هارون برأسه والقلق صار يسيطر عليه بالكامل، وانتظر أن يصبحا في غرفة مكتبه.

أخذ عزيز نفسًا طويلًا ثم زفره بثقل فور أن صارا داخل غرفة المكتب الخاصة بـ هارون.

ـ أبعد بنتك عن ابن أخويا يا هارون.

تجهمت ملامح هارون سريعًا وارتفع صوته باستهجان:

ـ أنا اللي كنت عايز أقولك أبعد ابن أخوك عن بنتي، مش كفاية خسرها خطيبها؟

وبضيق واصل حديثه:

ـ عزيز يا زهار أنا بحترمك وأقدرك لكن لحد هنا كفاية أوي...

حرك عزيز رأسه مستهزءً:

ـ أنا اللي جاي أقولك كفاية عليا وعلى ولاد أخويا لحد النهاردة، بنتك ومراتك سمية هانم أبعدهم عننا.

احتدت عينا هارون وأشار إليه بأن يغادر غرفة مكتبه:

ـ علم ابن أخوك الأول الأصول والعيب يا عزيز بيه وأنا أوعدك ههتم بشؤون بنتي كويس.

رمقه عزيز بنظرة مستخفة ثم اتجه نحو طاولة مكتبه بعد أن التقط بعينيه تلك الصورة العائلية التي تجمع هارون وسمية وبينهما تقف بيسان سعيدة.

مرر عزيز أصابعه على تلك الصورة، فحدق هارون بفعله، وقبل أن يستكمل هارون حديثه الساخط عن أفعال سيف الذي يتمنى عدم رؤية وجهه بعد أن جعل ابنته تخسر رجلاً مثل فارس، قال عزيز:

ـ إزاي قدرت كل السنين دي تخدعك وتسيب بنتك تتربى على إيدين عقربة كانت السبب في موت أمها؟

تجمدت ملامح هارون متسائلاً بلسان ثقيل:

ـ أنت بتقول إيه؟

استدار عزيز إليه وعلى شفتيه ابتسامة اختفت عن وجهه عندما وجد هارون يتمتم:

ـ قالتلي قبل ما تموت إنها مش هتسامحني.

وتذكر زوجته الراحلة عندما التقطت يده ترجوه قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة:

"متخليهاش تربي بنتي يا هارون".

أطبق عزيز يديه قائلًا بعد أن أشاح بوجهه عنه:

ـ قالتلك كده لأنها كانت السبب في موتها، موتتها بالبطيء وبعدها قهرتها على جوزها لما خطفته منها وبجبروت راحت تقولها إنك اتجوزتها عليها.

استمر هارون في هذيانه عندما استرجع في ذاكرته ذكرى تلك الليلة...

الفصل المائة والسادس عشر من هنا

قراءة رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والسادس عشر 117 كامل بقلم سهام صادق

تابع كل التطورات في رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والخامس عشر 116 كامل بقلم سهام صادق عبر الفصل التالي.

رواية ظنها دمية بين أصابعه كاملة بدون اختصار

تابع قصة ظنها دمية بين أصابعه كاملة من أول فصل حتى النهاية.

🔗 قراءة رواية ظنها دمية بين أصابعه كاملة
تعليقات