رواية شظايا ثمينة الفصل الثامن 8 كاملة | بقلم ايمان قنديل
تم تحديث الفصل بتاريخ 15 مارس 2026
8- سلحفاة من خيار.
اسرارك واغوارك هم صندوق أسود تتمنى ان يصدأ قُفله وينكسر ويضيع مفتاحه، تغلق عليها سِترا وتتمنى فى بعضها أو جُلها ان تُمحى أو تعود بالزمن لتركض منها بعيدا!
اسرارك واغوارك التي فعلتَها قد تندم عليها لأنها فِعلة يداك، اسرارك واغوارك التى فُعِلَت بك هي شيء آخر، نسيج غير متجانس من الندوب والجروح تكاد ان توقن انها طبعت على وجهك ليراها الكفيف.
اسرار واغوار حَشرت ذاتها فى قلبك!
فى عقلك!
فى حياتك!
لا تستطيع انكارها ولا تستطيع البوح بها، لكل منا صندوق مثل هذا، هناك من يحمله على ظهره، وهناك من يلصقه بعيناه فيتعثر فى الخطوات ساقطا على وجهه، وهناك من يدفنه فى أرضٍ بور لا تطرح ولا تطرقها ضربة قدم ويتناساه عمدا.
والاخير هو كريم، كشخص فُرضت عليه حياة مُغايرة بظروف مُخالفة لما ولد به، هو لا يريد اي شيء منها، رجل معجون من خليط عجيب من ظروف الآخرين لا ظروفه، يتحملها ويمتصها ببراعة وكأنه الاسفنج لكن للاسفنج حد لا يستطيع الامتصاص بعده!
سؤالها عن اسم مختار كانت بداية النبشات السافرة فى الأرض التى وارى فيها صندوقه، ثم سؤالها عن اسم برهان كان كمسح الغبار عن الصندوق وكأنه في يدها!
♕_______________________♕
استفزازات متبادلة لا تجدي!
كانت تلك بداية الجلسة مع الطيبة زهرة، انتهى بها الأمر بسؤالها عن شخص لم يظن انها ستسأل عنه، ولكن هيهات!
من قال أنّ الجلسات عن رقية فحسب، لما افترض هذا من البداية؟
!
-طب احكيلي عن مختار؟
سؤالها المباغت بدد كل افكار المعاندة داخله واشعل نيران الغضب فامتعض وجهه واداره بعيدا وزفر قائلا:
قلتلك معنديش رد !
ضيقت عيناها وقالت ببساطة:
فكرت إن الرد هيكون فى الجلسة! طيب خلينا نغير السؤال! احكيلي عن برهان !!
توسعت عيناه والتفت لها بسرعة البرق وأخذ صدره يعلو ويهبط وصاح بها:
أنا مش قلتلك متسأليهاش؟
-مين اللي سألتها؟ انا مسألتش غيرك دلوقتى!
-شوف ازاي؟! من دون كل الناس اللى ممكن تسألي عليهم، تسألينى عنهم فى نفس الوقت! وتقوليلي مسألتيهاش؟! يعنى حتى الاسماء مقولنهاش قبل كدة عشان تجتهدي فيها!
-أنت حقيقي مغفل!
-أنتِ بتتكلمي ازاي دلوقتى؟ متعدلي لسانك يا دكتورة! انـ...
-استنى قبل ما تتعصب وتهِب زي كل مرة! شغل دماغك شوية! أنا معايا سجلاتك كلها وطبيعي أكون عارفة عنك معلومات مبدئية!
كان الغضب يتملكه لكن لا يستطيع لومها، هي بالفعل تعلم الكثير عنه لا تحتاج لاستجوابه أو استجواب المقربين بشأن تلك المعلومة العادية، شعوره وكأنه معروض عارٍ على الملأ مخيف له بل مرعب، لا أحد يحب أن يتم استجوابه عما أراد طيِّه فى غياهب النسيان!
سحب جانب شفته السفلى بين اسنانه يطحنها هلعا، لا يعرف بما يجيب! توتره تملك منه حتى انفاسه لم تعد سلسة، وارى نظراته يتجنب مقابلتها وقال بتعجرف مزيف:
بس ده مش كفاية انك تتكلمي معايا بالاسلوب ده! وبعدين انا مش عايز اتكلم عن مختار خالص، كفاية اللى عمله فيا! كفاية انه كان سبب فى كل القرف اللى عشته.
ابتلع ريقه بتوتر وقال:
انا اتذليت بسببه، وكل لقمة باكلها مُرة برضو بسببه، هو السبب فى كل حاجة!
فقاطعته بصوت هادئ واثق:
بس انت عارف إن دي مش كل الحقيقة!
اجابها هادرا بأعين متوسعة وكأنه اصابته جنة:
ازاى يعنى مش كل الحقيقة؟ حتى لو مش كلها هو السبب الاساسي هو اللى عمل فيا كل ده! انا مش عايز اتكلم عنه، انت بتلفي وتدوري ليه!
-طب اهدا أنا مش هجبرك لو مش عايز! ....... خلينا نتكلم عن حاجة تاني.!
ظل صدره يعلو ويهبط وكأن سمعه التغى، فأمسكت زهرة شفتها واطلقت صفيرا شعبيا وكأنها مراهق طائش يلهو فى الشوارع، فالتفت لها مندهشا فوجدها تومئ له برفع ذقنها لاعلى وصاحت بصوت يتصنع العفوية والمرح:
خلاص يا سمو البرنس بلاش نتكلم فى الموضوع ده! قولى ايه اخبار دراعك؟ مش احسن؟
-لا مش احسن! زفت! مش قادر ارفعه مش عارف احركه كويس وحتى الصوابع وكف الايد حركتهم بطيئة، امسك سكينه ازاى بيها دي!
-سكينة؟!..... ليه جناب السفاح سكينه؟
-تصدقى انك فعلا مغفلة؟ هو انا بشتغل ايه؟
تحمحمت بحرج وقد ادركت اخيرا مقصده، حمدا لله لم يكن لقتل مختار او قتلها، بل كانت مهنته الاساسية وموهبته التي احبها وشغُف بها، فقالت بهدوء تحك عنقها :
بتردهالي يعني؟!..... صحيح! هو انت ليه اختارت الشغلانه دي بالذات؟ حبيتها يعني؟ عشان دراستك ولا من باباك؟
وكأن الحزن وجد مكانا فسكن قسمات وجهه الوسيم فأصبح شجنا واجما، مد يده السليمة يسحب الأخرى العليلة باسطها على حجره ناظرا لباطنها، تنهد زافرا ما فاض من قلبه واكتفى، فطغى عليه وقال من بين احزانه:
كنت صغيّر ،.
.
كنت دايما بشوفه واقف فى المطبخ، ايده بتتحرك بسرعة دايما مع حركته بسمع صوت تكتكة، كنت قصير اوي، مهما حاولت اشب واتعلى مكنتش بعرف هو ماسك ايه،.
.
في يوم اكتشفت حاجة عظيمة جدا كان عندنا كرسي صغير كدة وشفت ماما وقفت عليه عشان تجيب حاجة محطوطة فى مكان عالى، فى ساعتها لمع فى عنيا الكرسي ده، لو حطيته وطلعت عليه، اكيد هشوفه، اكيد هعرف هو بيعمل ايه!
-وطلعت عليه؟
وصمت قليلا بعد اختناق صوته ودمعت عيناه فأكملت عنه زهرة وهي تظهر انشغالها فى تدوين ملاحظاتها فى الدفتر، احتراما لاحراجه على غير عادتها المزعجة، وتمتمت بصوت يسمعه:
ساعتها عرفت انت عايز تبقى ايه لما تكبر.
-همم؟... اه، ساعتها اه، بس... زي ما انتِ شايفة، انا مش عارف احرك صباع حتى، قاعد فى مكانى، مش قادر اتحرك!
-انت بتحب تتمرن مش كدة؟
-مش موضوع حب، الموضوع اني لازم اعمل كدة!
انا محتاج اتمرن، مينفعش ابطل!
مينفعش افضل قاعد كدة، فهماني؟
الناس شيفانى عايق ومعووج، لكن انا والله بعيد عن كدة، انا عمري ما اتبهيت ولا عمري حاولت استغل شكلي!
رفعت زاوية شفتها العليا مع احد حاجبيها استنكارا، فضحك ضحكة بسيطة وأكمل:
اسمعي بس قبل ما تلوي بوزك كدة، انا عارف ان شكلى كويس، بس عمري ما فتحت الباب ده، وعموما التدريب اللى بعمله عمره ما كان لسبب المظهر والعياقة زي ما بيقولوا من ورا ضهري!
-اومال كان ليه يا سمو الأمير الساحر!
-طريقتك بجد مستفزة!
-متزعلش بس محتاجة أعرف الاسباب والله، كمل! كمل!
-كل حاجة كانت هتبقى تمام لو هو كمان عمل كدة! لو كان اهتم بس مش أكتر كان هيفضل اكتر!
-والدك؟
رفع عيناه تجاهها وكأنه طفل صغير على وشك البكاء، اخذ شيهقا سمعته واضحا وكأنه سيرتمي فى بحر عميق وأردف:
والدي كان بيحب الاكل أوى، كان بيحب يعمله وكان بيحب ياكله وكان شايفه نعمة كبيرة تقديرها هو اكلها مهما كانت الكمية!
كان وسيلة وشغف له، حتى سفره لروسيا كان عشان يتعلم، روسيا مكانتش اول محطة في حياته!
سافر بلاد كتير بشغف انه يشوف المطبخ نفسه من اهله، وعشان متفهمنيش غلط، الأكل مش عيب والوزن الزايد مش حرام، لكن التفريط هو اللى حرام!
-تقصد ايه؟
ثم فجأه التجم لسانه، اظلمت عيناه وضاقت وتجعد حاجباه بتعبير شرس، وقال بصوت متحشرج مختنق:
لولا اليوم ده؟
لولا وقت ما وقع واحتاجنا ومدينا ايدينا وملقناش حتى اللى كان متشال على جنب، لولاه مكنش حصل ده كله!
مكنتش اترميت فى الشارع وأنا ابن عشر سنين، لساني لسة معووج زي الأجانب، ولا زي ليه؟
!
منا وقتها كنت اجنبي فعلا!
محدش رحمنا، محدش وقف جنبنا، فجأة عيل تافه متدلع جاي من روسيا بشعر اشقر وعينين ملونة عايش في ملك أبوه اللى مهننه، يتقاله معلش لو كان فيه فلوس كنا لحقناه، لو كان وزنه اقل شوية كان بقا عنده فرصة، البقاء لله يا حبيبي!
تعيش وتاخد غيرها، يروح العيل يسعى مع أمه الغلبانه شمال ويمين ويتلضى للي يسوا واللى ميسواش وفى الآخر نترمي فى الشارع!
ويجي.
.
.
.
.
بدأت علامات الغضب تأمله، عرق بارد يكسو جبينه، وأخذت أنفاسه تتلاحق، واغلق مداركه وكأنه انغمس فى أفكار سوداوية، قطعها صوت زهرة تعيده للواقع بسؤال:
عشان كدة أنت بتتمرن، وبتاخد كمية الفيتامينات العجيبة اللي كانت في سجلاتك؟
لم ينتبه للسؤال فى البداية لولا صوت ضربة خفيفة اصدرها قلم زهرة على الطاولة فتحمحم ورد:
حاجة زي كدة! أصل أنا مش لوحدي دلوقتى! انا لو حصلى حاجة أمي دي هيحصلها إيه؟ تفتكري حد هيرأف بيها؟ تفتكري لو فى يوم بقا عندي طفل هينفع اسيبه كدة من غير ما أعمل اللى عليا حتى؟!
-بس معنى إنك تعمل المجهود ده برضو مش ضمان لعمرك، وقبل ما تعارضنى اسمع، أصل ياما رياضيين سقطوا فجأة ما بينا، فكرة إنك تحمّل نفسك فوق طاقة!
.
.
.
.
لا، ده فوق طاقة البشر أصلا!
أنت راجل مؤمن وبتصلى وعارف كتاب ربك، أكيد عارف إنها آجال يعنى والدك اتوفى في أجله، كان ممكن يكون 'الرياضى الأول في العالم' لكن مع أجله خلاص!
هينتهى كل شيء، فليه أنت تشيل مسألة قدرية وكأنها حِمل عليك؟
-لا استنى أنتِ اللى فهمتينى غلط، أنا مش بعارض القدر ولا حاجة، استغفر الله العظيم!
أنا بقول أعمل اللى عليا، أنا شفت ابويا بيتواكل وبيتآكل بعدها، شفته بيأجل كل حاجة وشفته بيكسل، عارفة ابويا كان راكن أنه محوش فلوس هنا، بس راحت فين الفلوس دي راحـ.
.
.
قبل ان يتم جملته قاطعه اقتراح زهرة بصوت رصين هادئ:
طب إيه رأيك تتمرن تانى؟
صدحت ضحكة يائسة منه بدون إرادة وأردف:
سلامة النظر يا دوك! أنتِ مش شيفانى ولا إيه؟ أنا رجليا عاملين زي القُلل الفخّار قدامك اهو، والدارع اللى اتفك مش بيتحرك عدل، والسليم يادوب بحرك بيه الكرسي!
مطت جانب فمها وضيقت عيناها باستنكار وقالت:
بقالك ساعتين بتتكلم عن كفاحك، وعن عضلاتك وانجازاتك اللى خلتك وسيم شهم مش بيستغل لعنة جماله في إغواء العذارى، عشان تختمها بالعك اللى قلتله ده!
دراعك السليم بيقوم بالمطلوب منه على أحسن وجه، والقلتين.
.
.
.
.
أقصد الجبس مقدور عليه هيتفك وهتتعالج وهتمشي، نيجي بقا للتمرين اللى أقصده ده لدراعك الباقي، وقبل ما تستخف دمك التنح ده!
لا مش هتشيل حديد أكيد، لكن تمارين بسيطة، تمسك قلم تشخبط، تكتب، ترسم، تمسك كورة أعصاب، تحاول تطبق ورقة مثلا، أكيد يعنى عارف إنها خطوات، مش خبط لزق كدة.
صمتت قليلا ونهضت تلملم أدواتها وقالت بابتسامة واسعة وأعين مضيقة ماكرة وهي تنظر لاغراضها تراجعهم:
أربع حروف أكيد سهلين عليك، اكتبلى رقية فى صف 10مرات للجلسة الجاية يا سمو البرنس،... الوقت اتأخر اوى وأنت شغال لوك لوك من بدري!
-رقية! ليه؟
وقعت كلماته عليها كاندهاش مُضحك، فارجعت نظرها نحوه وضحكت بصوت واضح:
ليه؟! عشان تقدر توصلها! مش ده هدفك!
-تقصدي ايه؟
-أقصد إنك تنجز وتتمرن عشان تخف بسرعة وتخرج، مش كنت عايز تقلب الدنيا عليها؟ هتقلبها بالآي بوت يا إكساڤيير باشا؟!*
-إكساڤيير كان بيتحكم فى عقول الناس، لو ده عندي، كان اول حاجة اعملها كنت خلصت منك!
-صحيح؟ حد قالك إنك مَدبْ قبل كدة؟
-همم؟
-لا اكيد بكلمك انت! ايوة كلامك وتصرفاتك بتبقى سم لو الموقف مش جاي مزاجك! حاول تفكر وتتنفس قبل ما تهِب فينا احنا بشر برضو! اشوفك بعدين يا سمو الامير، متنساش الواجب ها؟ سلام!
لوحت له بكف مثني الاصابع إلا من اصبعيه السبابة والوسطى متلازمان في حركة تحية اجنبية وقد انهت حديثها وهى تتحرك نحو الباب مغادرة، بعد ان وضعت دفتر وقلم على الطاولة المجاورة لفراشه.
صباح اليوم التالى كان هادئا بسيطا لم يكن به أي موضوعات مثيرة أو زيارات عجيبة أو جدول مزدحم حتى، كان يوم راحة، استيقظ برفق وبساطة، تناول افطاره باعتدال، التفت الى دفتر وقلم زهرة تذكر كلمة واجب وضحك ساخرا.
امسك القلم وفتح الورقة التى قرر الكتابة بها، يا إلهي ما اروع حرف الراء، زحلوقة مائلة بلا هدف ذاهبة من أقصى الشمال الشرقي لأقصى الجنوب الغربي.
والان أتى دور حرف القاف يا الله!
ما هذا الحرف؟
!
لما هو صعب بهذا الشكل!
ألهذا اضيف هذا الحرف في الكلمات التي تشعرك وكأنه ألقى عليك ثِقْل، انه حقا يشبه عقدة معكوفة ذات عينان فوقها تنظر لك لتشعرك بالتدني.
أمسك القلم بمسكة القاتل وحفر في الورقة طعنة طويلة بأعين مجرم متسلسل يزمجر غليله بتنفس محتقن ينتقم من حرف القاف اللعين.
ثم وعى على نفسه وتذكر كلمات زهرة:
«انت كلامك وتصرفاتك بتبقى سم لو الموقف مش جاي مزاجك!»
فك خناق يده عن القلم المسكين وزفر ضاحكا ليذهب لذكرى تكاد تنبض بالحياة، وهي دليلا واضحا على صحة كلمات زهرة، ذلك اليوم الذي تمنى لو أنه أمسك عليه لسانه قليلا بعد!
في مساء ما من شهر يناير في تلك السيارة المسرعة ، كانت رقية تصرخ طلبا للنجدة لقد تم اختطافها ، كانت تصيح بهلع :
لو موقفتش العربية دلوقتي، هفتح الباب وانط منها.
فاجابها الخاطف بصوت ثلجي :
تمام نطي! اجي افتحلك الباب؟
♡~~~~~~~~♡
قبل ذلك المساء بثلاثة أسابيع تامة، كانت حياة رقية اليومية تسير على قدم وساق، أول يومان اتتها العروس المنتظرة مع صديقتها الاجنبية، لقاءات عادية لكن اتضح ان تلك العروس لا تملك أي شيء لعرسها، لا شيء مطلقا سوى المال، لا ملابس لا تجهيزات ولا حتى تنظيمات للحفل!
في الواقع تلك الأمور ليست من اختصاص رقية حتى، لكن تلك العروس لها جَميل فى رقبة رقة، لذا بطريقة ما أرادت ردها لها، فانغمست في دور أخت العروس الصغرى، حتى وإن كانت علاقتهم سطحية، قد يكون شعور بالامتنان، أو قد يكون شفقة ومؤازرة للعروس اليتيمة، لا تعرف تحديدا، لكنها شعرت بمسئولية تجاهها.
بعد يومان من التسوق في مشارق الاسكندرية ومغاربها بين سير على الأقدام وقفز في المركبات العامة، اتفق ثلاثتهن ان الأمر أكبر بكثير من أن تتحمله اقدامهن، لذا تعهدت العروس بأنه بدءا من الغد ستكون هناك سيارة لتتحمل عنهن الحمولات التى بسببها اصبحت لديهن من العضلات ما يمكنهن من خوض بطولة وطنية!
كما انّ وجود سيارة سيمنح الفتاتان انْ تتناوبا على التواجد بين الاجتماعات وبين التسوق لمستلزمات العرس، فمن بعدها دائما ما كانت احداهن تغيب والاخرى تأتى محلها!
وكان جدول رقية يدور بين التدريب في المركز الرياضي ثم تمر الفتيات عليها وتبدأ رحلة السعي الطويلة لتجهيز عروس وحيدة من الألف إلى الياء.
ثلاثة أسابيع ذات جدول حازم مزدحم بأمور عشوائية تسير فى مليون اتجاه معا، أيام لملابس العروس، لما لا يحضرون ملابس للفصول الاخرى؟
!
أيام لمفروشات منزل الزوجية، لما لا يحضرون أقمشة الأثاث المصنع خصيصا؟
!
أيام لمستلزمات العريس الغافل أيضا!
أين تباع اقمشة الستائر؟
أيام لديكورات الزفاف، لما لا يشترون ورود الزينة!
أيام لمستلزمات فستان العرس، هل تستطيع السيارة حمل ثلاجة؟
الا يمكنهم شراء البُساطات كلها فى يوم واحد؟
!
وهلكت رقية!
!
بين تدريب بدني شاق لمرتادي المركز الرياضي وبين تدريب بدني من نوع اخر من الشقاء مع تلك العروس، التي اكتشفت في يوم وليلة انها امرأة وستتزوج بعد ثلاثة أشهر ومع احتساب شهر الصيام صاروا أربعة!
هلكت هي كلمة رقيقة كوقع النسيم الدافئ مقارنة بأعاصير شهر أمشير التي شعرت به حقا طوال الثلاث أسابيع الفارطة، تأتي السيارة فتركب بها، مهما كان الطقس مشمس، غائم، مرعد، حتى وان اقتلعت الرياح الأشجار، سيارة فريدة وميشيل السوداء راسخة كسندان فاحم اللون دائما أمام النادي الرياضي في انتظار رقية.
يوم عاصف آخر من مطر مستمر منهمر بلا انقطاع، لكن ماذا عساها تفعل سوى الذهاب معهم، حتى لو ارادت الرفض، لا يمكنها، دائما ما تخاف ان تخسر لقمة العيش!
لذا حتى وان كانت منهكة عليها الاستمرار للنهاية!
في تلك الليلة الدامسة خرجت من باب النادي تركض ناحية السيارة تحمى رأسها من المطر المنهمر بكثافة، وفتحت الباب مسرعة تجلس فى المقعد بجوار السائق تنفض الماء من على حقيبتها، بينما داعب انفها عطر رجالي هادئ رفعت رأسها لترى داخل السيارة المختلف ، التفتت سريعا تراه بجوارها ينظر لها مشدوها فى غير استيعاب لما حدث للتو، لكنه لم يُضع الفرصة ابدا، قاد سيارته التى كانت ما تزال تعمل بأقصى سرعة متجاهلا كلمات رقية المتسائلة والمهددة .
كريم الذي أنهى أعماله فى خط الساحل بعد ما يقارب الثلاثة أسابيع من العمل الشاق المتصل، قد قرر أخيرا أنه سيعطيها محفظتها وحذائها الأحمر اللذان ظلا بداخل السيارة فى انتظار عودته اليوم لا يوم آخر!
قاد سيارته فى المطر آملا أن يجدها اليوم ،هو لم يستطع الأنتظار حتى يعود لمنزل والدته بعد تلك الأسابيع الثلاثة فى موطن المشاكل في الساحل، ثلاث اسابيع قد اخذ التفكير الزائد عن اللزوم فيها كل منطق باق فى عقله، فصارت أفكاره مقتصرة على جمل بسيطة بدائية فقط!
كل ما تمكن من تدبره انه سيذهب لمكان عملها فور وصوله من حل تلك المشكلة، لكن فجأة وقبل أن يترجل حتى من سيارته وجدها وكأنها سقطت من السماء على المقعد بجواره، فهل يضيع هذه الفرصة؟!
فى تلك اللحظة انكمشت رقية فى المقعد و صرخت باعلى صوت فيها :
انـ.. انت بتعمل ايه؟ انت رايح فين؟
لم يعيرها اى انتباه سوى بلاهة ابتسامة مرئية بوضوح على وجهه فزادها رد فعله الثابت ارتباكا:
اركن العربية! .. وقف الزفتة دي فى أي حتة!
فنظر لها بلا اكتراث واعاد نظره للطريق ثانية وقال بهدوء شديد:
استني بس، اصبري شوية!
قالت وقد بدت وكأنها على وشك الانقضاض عليه لقتله:
أصبر على إيه يا متخلف أنت! وقف العربية دلوقتي!
أدار وجهه لها وقد غابت الابتسامة وابدى ملامح يشوبها الغضب من السُبّة وأردف ببرود:
لا مش هوقف قبل ما اتكلم معاكِ الأول، اهدي بقا!
ظلت تصيح بهلع :
فاجابها كريم بصوت ثلجي :
حاولت فتح باب السيارة فوجدته مغلق آليا، فبدأت نوبة هلعها بالظهور قاطع صوت ضربات قلبها ونفسها المحتد صوته الهادئ يقول :
والله العظيم أنا ما ناوي على شر ابدا، افتحى التابلوه،... افتحيه ومتبرقيليش كدة!
بدا صوته صادقا مدت يدها بارتعاش واضح الى الصندوق امامها تفتحه ، فوجدت محفظتها الورديه امامها، شعرت ببعض الاحراج مالبث ان تحول الى غضب فقالت تصرخ :
أيا كان! ده ميديكش الحق أبدا انك تخطفني! أنت إنسان مش كويس أصلا!
زفر بحنق واستدار يواجهها بأعين متسعة كمجنون وصاح بها :
كفاية بقا سرسعة! الفرق ما بينا أقل من متر، وداني اتسورت منك! كفاياكي صياح!
نظرت له وهي توسع عيناها وكأن مقلتيها ستقذفان عليه :
صياح!
تقصد اني بقول اي حاجة؟
!
أنت اللى بنى آدم مجرم ومختل!
مفيش مرة شفتك فيها وكنت طبيعي أبدا!
كل مرة عامل زي المجانين، محدش عارف أنت بتضحك على ايه؟
ولا حتى بتتكلم زي الناس المحترمة وفى الآخر تيجي لحد شغلى وتخطفني!
ده خطف ده!
دي تهمة خطف أنثى!
أنا هروح فيك فى داهية، وقف العربية!
وصلني عند القسم أنا هعملك محضر!
انا غلطت فى العربية!
وانت خطفتنى!
وبدأت تبحث فى حقيبتها عن الهاتف الذي قد اختفى كعادتها ونسيه فى النادي!
فظلت تصرخ بأعلى صوتها تهدد وتعلن اشياء وعكسها، صوتها الحاد أصمه، ما جعله يجعد وجهه رافعا كفه المجاور لها ليحمي اذنه :
هو إيه الهبل اللى أنتِ بتقوليه ده!
كلامك كله مش راكب على بعضه!
وبعدين تقصدي إيه باتكلم زي الناس المحترمة؟
أنا فضلت أسبوعين بحاول اكلمك، رايح جاي بين بيتك وشغلك وأنتِ زي المتخلفين، يا تطلعي تجري، يا تحدفيني بالطوب زي العيال!
ده إيه القرف ده يا شيخة!
وبعدين انتِ شكلك متعودة تنطى فى العربيات باين!
سواء غلطتى فى العربية أو اللى جواها طلع غير اللى كنتِ مستنياه، دي مش مشكلتي اصلا!
أنتِ موجودة هنا لأنك دخلتى العربية برجليكِ أنا مشدتكيش جواها مثلا!
شوفي بقا انتِ بتركبي مع مين وراح فين ونساكِ!
كلماته تلك لم تكن هينة، إن لم تكن أسوء شيء يمكن للمرأة أن تسمعه اطلاقا، كلمات تحمل فى طياتها معاني تجردها من الشرف، ماذا يعنى انها معتادة على ركوب السيارات !
ماذا يعنى جملته الاخيرة؟
!
كلمات افلتت منه فى غضب، وقعت على الفتاة المسكينة التي لم تكن سوى شخص أخطأ فى لون السيارة فى المساء وتحت المطر، كان الصقر سيخطأ في تلك العاصفة والامطار الذاخرة!
أيقصد انها معتادة على ركوب السيارات مع الرجال الأغراب؟
انتفض قلبها في صدرها أي ظلم هذا الذي وقع عليها للتو! الأمر الذي جعل قهرها يضرب السحب مخترقا ، فقالت بتنفس ثقيل بعض الشيء :
إيه اللى انت بتقوله ده؟.... أنت بتقول عليا أنا كدة؟.... تعرفني منين أنت ولا تعرف عني إيه؟
كانت قد بدأت باستهلاك كامل طاقة عنادها، وبدأ صوتها يرتعش، لقد استندفت كامل طاقتها في الصراخ ولم يعد أمامها سوى أعصاب منفلتة وقلب منفطر، تكافح نوبة هلع تلوح على الأبواب .
صفَّ كريم السيارة و فتح نوافذها فور أن لاحظ عدم استقرار تنفسها واعينها الدامعة وقال بصوت هادئ دافئ:
أنا آسف، والله كل اللى كنت عاوزه إني ارجعلك حاجتك، وتصرفاتك الغريبة خلتنى اعاند، ومراعتكيش، أنا آسف والله!
نظرت له رقية ملتجمة اللسان لقد اعتذر، بل وارجع محفظتها، واضافت لذلك أن بسببه نجت ذلك اليوم، لكن هل هذا شافعا أمام كلماته السامة! فتحت شفتاها وأردفت:
خلصت؟
-نعم؟
-بسألك خلصت؟
-أ.. أيوة
-افتح لوك الباب!
-إيـ... إيه؟
-زي ما سمعت افتح لوك الباب، أنا عايزة أنزل!
-مش هفتحه إلا لما تقبلى الاعتذار!
-اه، أنت بقا متعود تغلط في بنات الناس وتتهمهم في شرفهم، وبعد كدة تقول( اوه!
معلش!
آسف أنتِ اللى عصبتينى) وهي تبص لخلقتك وتقول( الله!
بصوا جميل ازاى!
ده عنيه زرقا وبيعتذرلي، لا ده أنا لازم أسامحه) مش كدة؟
!
افــــتـــح لـــــوك الــبــاب!
-مش فاتحه ومتزعقيش! وبعدين أنتِ اللى فتحتى الباب وركبتى لوحدك، أنا بس قلت شوفي بتركبي مع مين!
-وانت مالك أركب ولا امشي! .. أنت مجرد بنى ادم محتاج علاج اصلا! .. افتح اللوك بدل ما انط من الشباك!
-شوف ازاى؟ طب مش فاتحه ورينى تمامك!
-طـيب! حلو أنت كدة يعنى؟ مش عايزة اشوف خلقتك تانى!
قالت اخر كلماتها وهي تغالب دموعها واضطراب زوايا فمها، ظلمت ظلم ساحقا لكرامتها، لكنها تغالبت على نفسها ونفذت تهديدها وخرجت من النافذة بالفعل تحت انظاره الجامدة المندهشة، كيف لفتاة ان تفعل مثل هذه الفعلة غير المألوفة العجيبة، لكن أمر بكائها كان له وقع قاس على قلبه، ليس لشخصها تحديدا، وإنما للعموم فهو لا يحب أبداً ان يكون سبب ألم إنسان آخر، فما بالك بامرأة أرته انها ظلمت وكان اعتذاره ركيكا خاويا من الاحترام!
تلك الليلة كانت الأسوء مطلقا لكليهما!
شعور الحيرة الكاسر، لا يمكنه التحدث معها مرة أخرى!
ولا يمكنه الذهاب فقط!
على مسافة آمنة لا تفضحه تَبِعها!
تَبِعها حتى النادي، ثم تَبِعها حتي موقف السيارات العام، بل وتبع الحافلة لحييها، وتبع خطواتها لداخل بنايتها، راقب بهدوء رأسها المطرق، وكفكفتها لدمعاتها، وكله تحت ناظريه جالس يراقبها كعاجز أحمق غبي!
بعد ان دخلت بنايتها رن هاتفه فرد عليه بنبرة معتذرة حنونة:
أنا آسف والله، مش هقدر اجيلك انهاردة، خلينا بكرة يا حبيبتي!
أدار سيارته واختفى وكأنه أراد ان يختبأ منها، لكن امورا أخرى شغلته لبعض الوقت، أو أنه هو من شغل نفسه بلا توقف!
مر شهران على تلك الليلة كانت تعمل فيها بنفس الجدول المكتظ، وكنوع من الراحة في يوم اخبرتها العروس ان تدعوها لحفل وعشاء بسيطان لبعض معارفها والعريس يحمل امتنانا لما بذله الجميع لمعاونتهم، فى مطعم فندق بوسط المدينة، فقبلت رقية بصدر رحب!
أتت تلك الليلة ارتدت فيها رقية ملابس مناسبة ثوب من اللون الأسود الحريري الواسع وحجاب من لون وردي لطيف وحذاء كعادتها مرتفع بلون أسود، دخلت للقاعة المستأجرة لمناسبة تبحث بعينيها بين المدعوين عن الداعين وبالفعل وجدت ضالتها واستقبلها العروس واحتفت بها كثيرا!
كانت فريدة العروس بالنسبة لها كضمادة لطيفة، دائما تعي ما تقول ومتى تقوله ولمن تقوله، قبل غداء العمل ببعض الوقت اقتربت منها فريدة وقالت:
أنا عارفة إن قوايم الأكل والمكان بتاعها المفروض يكون من شغلكم، بس سُليمان حكِّم رأيه على مطعم صاحبه، وصاحبه ده أخيرا فضي وجاى انهاردة هو اتأخر شوية بس هيجي، فهنقدر بعد شوية نقعد نحط لِيستة بكل اللى أنتِ شيفاه مناسب برضو، ماشي؟
-اكيد طبعا، وبعدين حتى لو متفقناش على قايمة أنا شيفاها يا فريدة، أي حاجة هتطلبيها هتلاقيها جاهزة ده يومك أنتِ وأنتِ بس اللى من حقك تختاري.
ابتسمت فريدة واحاطت وجنتا رقيه بلطف وأردفت:
يسلملى أبو لسان سكر ده..... آه بصي أهو صاحب سُليمان جه أهو.
واشارت لشخص وقف خلفها، فاستدارت تواجه آخر وجه ترغب برؤيته، نفس الوجه الذي وقف أمامها كطفل امسكوا به يقوم بإشعال الكبريت سرا.
وقف امامها فاغر الفم لا يعلم ما يقال وكأنه فقد النطق، أغلق فمه وابتلع ريقه ينظر لفريدة بتساؤل، فقالت ببساطة:
دي (الويدنج بلانر)** اللى كانت مطحونة معانا في مشاوير التجهيزات الفترة اللى فاتت، الآنسة رقية الجوهري!
فتجمدت حواسه، اذن السيارة التى استعارها سليمان منه لاجل مستلزمات العرس وكانت مع فريدة، نفس السيارة المطابقة لسيارته الشخصية فيما عدا درجة لونها، هي ذات السيارة التى قالت انها أخطأت بها عندما ركبت سيارته، أراد ضرب رأسه بأول عمود كهرباء يقابله مما أدركه للتو!
استدارت فريدة نظرت لها وقد بدأت بقراءة افكار كليهما، وقراءة نظرات الاعتذار في عينيه ونظرات المقت والازدراء فى عينيها:
ده الاستاذ.....
-كريم برهان السويفي، كائن بائس وقليل الادب وآسف سامحيني!
قاطعها هو مادّا كفه ناحيتها مظهرا الاعتذار، نظرت له مباشرة من غير أن تحرك ساكنا ثم ردت باقتضاب:
تشرفنا، بعد اذنكم!
واستدارت بدون ان تعقب على أي شيء، تاركة له يحترق فى بحر مغلي من الاحراج والشعور بالاسف والغباء!
يتبع...........
*تشارلز اكسافيير هو مستر اكس أو كزافييه أو اكسافيير فى سلسلة افلام X-MEN، وكان يستخدم مقعد مدولب متطور.
**wedding planner منظمة الاعراس
تقييماتكم للفصل حتى الآن ؟
توقعكم ليه كريم مش عايز يتكلم عن مختار؟
تفتكروا ان ركوب رقية الغلط فى العربية، سبب كافي انه يقول الكلام ده؟ وهل تفتكروا انها ممكن تسامحه؟
التاسع من هنا
قراءة رواية شظايا ثمينة الفصل التاسع 9 كاملة | بقلم ايمان قنديل
واصل قراءة رواية شظايا ثمينة الفصل الثامن 8 كاملة واكتشف ما سيحدث لاحقًا.
جميع فصول شظايا ثمينة بدون نقص
رواية شظايا ثمينة كاملة بروابط واضحة وسريعة الاستجابة.