رواية شظايا ثمينة الفصل السابع 7 كاملة | بقلم ايمان قنديل
تم تحديث الفصل بتاريخ 15 مارس 2026
7- شيطان وابليس
هناك ظهور خاص لشخصيات من رواية أخرى، لذا سيتم عرض الحوار كما كان يتم فى تلك الرواية، الفصحى هنا كناية عن اللغة الانجليزية❤
ملاحظة اخرى: العامية هنا سكندرية، لذا ستجد بعض المصطلحات الدارجة بالاسكندرية!
مثال: جومة =استيكة= ممحاة ❤
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك لحظات لا ينبغي فيها الانفعال أو التهور، لحظات فيها كل تصرف غير مدروس يساوي ثروة ضخمة، وقت لابد لنا من التوقف بل التجمد وبناء قائمة الاولويات الحرجة!
الاولويات الحرجة، مصطلح عجيب لقائمة فى اوقاتك العادية لن تخطر لك على بال ولن تطرق لك خاطر، وإذا اخبرك أحد بمحتواها قد تظنه اما مجنونا أو خانعا خاضعا.
اولوياته الحرجة كانت تلك هي اللجام الذى تربط به فرس مهتاج المشاعر، ضامر حرق المعبد بمن فيه، كان عليه كبح كل جموح يطرق غمار افكاره، كان عليه ان يتوقف، كان عليه ان يهرب من نفسه، من المكان ومن المواجهة، لأنه وببساطة سيتخذ قرارا يندم عليه!
صبره قد بلغ الحلقوم، كانت لحظات عصيبة على كريم أن يحكم زمام غضبه ويرجع للخلف ويستدير بعجلات لم تكد تتحمل ثقل تفكيره فوقها، قطع الردهة ودخل فى المصعد قاصدا حديقة المشفى، عليه الاختلاء بمشاجرة الأفكار بين الكبرياء والمرونة التى كادت تفتك بقلبه.
صوت وقع خطواتها الخفيفة مقتربة من باب مكتبها تطل برأسها للردهة الفارغة ثم توقفت رافعة للهاتف على اذنها:
ها؟ لا، لا مفيش حاجة، بيتهيألي فى حاجة مثيرة حصلت دلوقتي!
وارتسمت على ثغرها ابتسامة ماكرة ثم استدارت تدلف لمكتبها بين اكوام الورق البيروقراطية على حد وصفها.
♕_______________________♕
تماما مثل شمس العصر الذهبية جلس هو، سماء صفراء من طرفها زرقاء على مد بصرك للطرف الاخر، بالتأكيد كان داخله ذات الصراع بين حرارة الغضب والاندفاع لطرح مئة ألف سؤال، وبين برودة المرونة والانتظار ليبلغ غايته!
تحت شجرة صفصاف تتحرك بدلال بفعل زخات الهواء الدافئ لفصل الربيع، استقرات عجلات مقعده الجديد، بقى فى مكانه كتمثال حجري لرجل وسيم جالس للحظات بلا أي حراك إلا علو صدره وهبوطه أثر التنفس المضطرب.
ترك مقبض تحكم المقعد ورفع كفه يغطى فمه وكأنه يمنع الحديث من الخروج، زفر من بين فرجات اصابعه وقال يائسا:
ليه يا رقية؟ ليه دايما وصولي ليكِ متعب كدة؟
اغمض جفناه مستنشقا رائحة الهواء المحمل بعبير الزهور الربيعية النابتة فى افريز بجانبه وغاص في ذكريات محاولاته للحديث معها، كم كانت صعبة بل ومستحيلة احيانا، كان جو باردا وليس كالدفئ الذي يختال حوله، كانت السماء ملبدة بغيوم كقطع القطن الموحلة احيانا والناصعة ايضا ليست كالصافية فوقه الآن، أطلق تأوها مسموعا وكأنه اطلق سراح الغضب، وفتح جفناه وجلس يراقب شمس المغيب التى يحبها، وهو يتذكر لحظات لقاءه الثاني لرقة قلبه المتيم.
تذكر ملمس جلد محفظتها الوردية وتذكر لململة تلك الصور الفوتوغرافية بداخلها مارا على ذلك الشخص الذى جعل جزءا من دواخله تعتبره غريما، ليس بالامر الهام حتى، المهم أنه قرر ان يعيد لها محفظتها والسلام، فدس رأسه بين الوسائد ونام.
في الصباح التالي وكعادته قبل الفجر بقليل استيقظ يجمع آثار المطر من اليوم السابق من على مفاصل عظامه المتألمة، جلس على طرف الفراش وكأنه يعيد برمجة دماغه، يمسح آثار النوم عن وجهه واستقام متوجها ليستعد للصلاة من ثم بدء تمارينه الصباحية التى بطريقة مبالغة تأخذ اكثر من ساعتين صباحا وساعة مساءا.
ليست رفاهية الاغنياء مثلا، بل جبروت وقهر الوساوس ان يخسر صحته ويذبل وينزوي يوما تاركا خلفه ابواب مفتوحة تهب منها الاعاصير لتقتلع نبتة بريئة لم تجذر بعد!
كما اقتُلِع هو عندما كانت جذوره غضة.
انهى ساعتاه المهلكتين وتناول فطوره واستعد بأفضل ما يجده انيقا وملائما وانطلق خارجا من منزله ذا الطراز العجيب على ساحل بحر المتوسط على بعد أقل من ساعة من منطقة سكنها بحي العجمي، ركب سيارته وقادها للعنوان المذكور فى بطاقة هويتها الحديثة الاصدار تلك.
بالفعل لم يمضى الكثير حتى كان يدور بضع دورات حول منطقة سكنها ليجد مكان ليصف السيارة، فكعادة هذا الحى تأتي حاوية القمامة فى الصباح الباكر وتصف بعرض الطريق والحجة العامة هي نظافة الحي!
ولا مهم غيرها ولا حتى صفوف السيارات المنتظرة حولها للمرور!
واخيرا على بعد شارع من محل سكنها، ترجل من سيارته معدلا معطفه الطويل رمادي اللون، ويسحب كنزته الصوفية الحمراء من تحته، ثم انحنى نظر في المرآة يعدل خصلات شعره متوسط الطول للخلف، اعتدل وسار مسافة بسيطة ليقف قبالة باب بنايتها، راجيا الا تكون الدقائق التى اخذها حتى يترك السيارة قد تمكنت هي من الخروج والذهاب لعملها الذي لم يدري متى مواعيده!
طال انتظاره لبعض الوقت، قلقٌ ان يعود لسيارته وقبل رجوعه بها تكون قد خرجت من البيت ولا يلحق بها.
بقى أمام منزلها لما يقارب الساعة، حتى رآها تمشي بخطوات بسيطة فى مدخل البناية، ترتدي فستان اسود له تنورة منفوشة باعتدال اعطاها مظهر انثوي وحذاء أبيض اللون مرتفع يكاد يقارب ارتفاع الحذاء الاحمر من البارحة.
كانت ذاهبة لعملها تفكر فى ركوب سيارة أجرة ،لتفاجأ به ذلك المختل نفسه من الأمس يقف مقابل باب منزلها مبتسما يحيها وكأنهم يعرفان بعضهم البعض منذ الصغر.
كادت ان تصرخ عندما وجدته يعبر الطريق مقتربا منها يلوح بيده، لولا تكرر نفس الموقف من البارحة وقوف سيارة أجرة صغيرة من تلك التى انتشرت مؤخرا بين بنايات شوارع الحي أمامها فقفزت فيها جالسة تأخذ انفاسها التي انقطعت عندما وجدته امامها، تاركة له يقف واضعا إحدي يداه على رأسه فى عدم فهم.
وجددته مجددا عند باب المنزل في الصباح التالى، وبمجرد ان تحرك ناحيتها تظاهرت بأنها تربط حذائها الرياضي الخالى من الاربطة حتى.
.
.
آخذة حصاة من الأرض ورشقته بها فى رأسه، وعندما استجمع قواه كانت قد قفزت على سلم حافلة نقل عام تمر لا تعلم حتى إلى أين تتجه بها!
وانتظرها فى المساء عند باب النادي الرياضي فرأته عندما خرجت فركضت فى الاتجاه المعاكس وقبل ان يركض خلفها، كانت قد استخدمت إحدى النساء المارات في حيلة بلهاء وكأنها تعرفها، ما جعله ينظر لها ماطا شفتاه فى غير فهم لما يحدث.
وقابلها عند موقف الحافلات العامة مرة ثانية وثالثة وعند المنزل مرات عدة وفى كل مرة تراه تبدي رعبا وتهرب سريعا.
طوال الأسبوعان التاليان استمرا فى الاصطدام ببعضهما، هو يبدو على وشك إلقاء التحية والحديث بل يبدو وكأنه فى منتصف محادثة أو أنه على موعد معها، وهي تبدو على وشك الصراخ كأنها رأت سفاح ما ثم تعطى أقدامها للرياح وتولي فرارا.
وفى كل مرة تُقْدم على هذه التصرفات يزيد غضبه وعناده وتيبس رأسه أكثر، يتساءل ما سبب كل هذا الارتعاب المبالغ به!
حتى وإن كانت أول مرة رأته بها كانت بموقف صعب فهو من انقذها منه!
هذا ما جعله شعر بظلم بطريقة ما!
ثم في ليلة من نهاية الأسبوع الثاني قرر انتظارها داخل سيارته أمام النادي الرياضي حتى تخرج فى نهاية عملها، هذه المرة لن ينتظر في الشارع ولن يصف السيارة بمكان آخر بل سيستخدمها درع اختفاء ان جاز التعبير، مقسما انه سيحادثها ويعيد لها محفظتها حتى لو رد عليها فعلتها له بالحجر لو لزم الامر.
بقى بسيارته فى الجانب المقابل للطريق يصب جام تركيزه على بوابة مكان عملها، قبل ان يتخذ اى خطوات قاطعه صوت رنين الهاتف، ظن انها مكالمة غير ضرورية حتى رأى جهة المتصل، كانت تحت اسم الفرع الأول، واندهش قليلا لما الفرع الاول تحديدا!
ففى ذلك الوقت من السنة هو محل راكد لا عمل به ولا عمال، سوى بعض بضعة عاملين عددهم قد يناهز عدد أصابع اليد الواحدة، تلك الفترة هى فترة التجديدات لكنها لم تبدأ بعد، فلما اذا!
اغلق نوافذ السيارة وفتح مكبر الصوت، فسمع صوت توتر الرجل كبير السن الذي يأتمنه على كل شيء هناك:
-السلام عليكم يا استاذ كريم
-وعليكم السلام، خير يا عم علام؟ مش من عادتك تتصل بيا دلوقتى يا راجل يا طيب، انا كلها ساعتين تلاته وجاي
-مش عارف اقولك ايه والله يابني!
استاذ سهيل جه، وكالعادة جاب معاه العصير اياه، وشربه بدأ يكسر كل حاجة، ده حتى قعد يشتم اى حد يقرب منه او يحاول يهديه، فى الاخر عملنا زي ما قلتلنا قبل كدة سيبناه لحد ما يتعب ويقع لوحده، لكن الوضع هنا وحش اوي والخساير كتير، وبعدين مبقتش قادر استحمل سوء شخصيته وتصرفاته دي، انا عارف انه صاحب عمرك، بس الفرع هنا حتى لو واحد من تلاته فده برضو اكل عيشك ورزق بيتك، ليه ترميهم ع الارض كدة؟
؟
صمت قليلا واضعا كلتا كفاه على رأسه يلعن سهيل وقذارة عاداته التى تعود دائما عليه هو بالخسائر لا على غيره، زفر قليلا وقال:
ربنا يهديه يا عم علام ربنا يهديه!
-يهديه ربنا ويهدينا يا بني بس الصحبة دي مترضيهوش!
صمت كريم لا يستطيع الجدال حتى وسأله بصوت مختنق:
هو جه لوحده ياعم علام؟
-المرة دي اه لوحده، لكن معلش تسيب اللى فى ايدك وتيجى الوضع هنا زي الزفت، ومحدش هيعرف يتعامل معاه غيرك!
-حاضر يا عم علام متقلقش، مسافة السكة!
بقلة حيلة ودون اختيار كان عليه ان يغير كل خططه بسبب سهيل للمرة الثانيه فى نفس الشهر، ادار محرك السيارة والقى نظرة خاطفة على البوابة الفارغة منها ثم اتخذ قرارا أنه يوما ما بالتأكيد سيحادثها ولكن ليس للفترة القادمة، فعليه الخروج من المدينة عائدا للساحل مجددا حتى يحل تلك الازمة التى وصفت له .
هامسا لنفسه:
هجيلك بس يوم تانى يا مستفزة!
♡~~~~~~~~♡
بعد اسبوعان وبضعة ايام من يوم الحادثة، أصبحت لديها عادة جديدة فقبل أن تخرج من باب منزلها الخارجي او مكان عملها كمدربة، أضحت تخرج رأسها فى كل مرة، لترى المعتوه الذي يلاحقها، هل هو بالخارج؟
وياللراحة في ذلك الصباح هو ليس فى الخارج أخيرا.
اليوم مهم للغاية اليوم اول لقاءاتها مع العروس المنتظرة، فى الاونة العادية يسير عمل رقية كالتالى، لو كانت المناسبات اجتماعية عادية او مناسبات رسمية يكفيها فقط بضعة اسابيع قليلة قبل تسليم الحدث تام التزيين والتنظيم، اما اذا كانت اعراس فانه يحتمل ان يصل لشهور او لسنة حتى، لكن تلك العروس فقط فى غضون بضعة اشهر سيتم زفافها لذا هذا اختبار لا يمكنها تحمل الفشل به، اولا هى بحاجة للمال وثانيا فى عملها هذا الصيت اهم بكثير من عدد المناسبات المقامة.
بعد ثلاث ساعات من منزلها فى مقها راق جلس رجلان احدهم اسيوي الملامح والاخر فلا وثلاث فتيات احداهن صهباء ذات ملامح اجنبية والاخرتان محجبات بملامح مصرية شرقية.
على جانب من الطاولة جلست رقية وخالد وامامهم اطنان من الاوراق والسجلات مصورة وعلى الجانب الاخر جلست العروس فريدة وخاطبها سليمان وصديقتها ميشيل، بدا الحوارات كلها وديه خصوصا عندما سأل سليمان مخطوبته بانجليزية سليمة:
كيف تعارفتما؟
ضحكت فريدة وقالت:
هذا امرها الشخصي ان سمحت لي سأحكيه!
ابتسمت رقية واومأت برأسها، فضحكت فريدة واكملت:
فى اخر تدريب اقامته المؤسسة كنت بالقرب من المخرج وكان الوقت متأخرا، عندها سمعت صراخ فتاة جميلة بسبب رجل من المتدربين كان يريد الحصول على رقم هاتفها عنوة حتى انه تمسك بهاتفها وسحبه منها، لكن الفتاة وقفت كطفلة صغيرة تتمسك بهاتفها ولا تستطيع التصرف، لذا ساعدتها!
اضاق سليمان عيناه ووضح كفه على خده وابتسم بمكر:
وكيف ساعدتها؟ أرجو الا يكون ما تخيلته!
ضرب الاحراج وجنتا فريدة ثم اتسعت عيناها وقالت بنبرة اقرب للصراخ:
ماذا تقصد؟ كانت مرة واحدة فقط، وتلك هي الاخرى!
قهقه على رده فعلها الدفاعية غلف وجهه بكفاه ثم قال من تحتهما:
اعلم! اعلم! "ليس لدي مرض بعيناى واستطيع استيعاب محيطي! " متهكما على ذكرى قديمة بينهما اخطأ فى فهمها السامعين
تسمرت فريدة مكانها وكانت على وشك الانفجار خجلا، وقبل ان تصرخ قاطعتها انجليزية حديث رقية تقول له:
لقد اصبحت بطلتي حقا، عندما اتت وضربته على رأسه عدة مرات فتنحى عني يمسك برأسه وسقط الهاتف من يده انحنت هي ووضعته بين كفاي ونظرت لي وقالت:
(اذا تعرضت لموقف مشابه لا تنتظري المساعدة من أحد واستخدمي يداك، لن يخوض شخص آخر معاركك لأجلك، خصوصا إذا كان الطرف الآخر في غير وعيه أو كان شر على شكل بشر) كانت كلماتها كافية لتهدئتي واعادتي لوعيي، لذا انت محظوظ بالحصول على زوجة مثلها!
ابتسم لها سليمان وادار عيناه تجاه عروسه متأملا وقع كلماته عليها وأردف:
اعلم هذا، احيانا استيقظ غير متيقن هل انا حقا لا احلم وانها ستصبح زوجتى بعد بضعة اشهر؟
ثم أخذ هاتفي كل صباح باكر فاتصل بها لاسمع صوتها يهدهد قلبي فتقول لي( ماذا الان؟
أنت هنا وأنا هنا، قم وصلِ ركعتين تنتفع بهما يا خطأ) فابتسم مطمئنا واحييها لاصلي الركعتان.
كان الحديث لطيفا وعاطفيا بقيت على اثره العروس جامدة تتحول بسرعة لالوان نارية وما ان انهى حديثه حتى انتفضت من مكانها تغادر المكان تحت حجة سأذهب للمرحاض، فتبعتها صديقتها.
فتساءلت رقية موجهة حديثها لسليمان:
اعتقد انها قد حزنت، اليس كذلك؟
لا لم تحزن بل خجلت وذهبت لتختبأ مني قليلا، ستعود بعد دقائق وتتصرف وكأن شيئا لم يكن!
صمت لبرهة واستدار يواجههما وقال:
بالنسبة للتجهيزات، علمت من السيد خالد سابقا انكم تتعهدون ببعض التنظيمات الخاصة بانفسكم، لكن اعتقد اننى تدخلت فى اختصاصاتكم، اعلم ان هذا مزعج بعض الشيء ولكن اقتراحاتي تلك مؤدوها هم اصدقاء مقربين لى لذا هم على ضمانتى الشخصية فلا تقلقي!
اومأت رقية تفهما وقبل ان تتحدث عادت العروس وصديقتها وتصرفت كما قال سليمان بالحرف، استمرت الاحاديث الودية التى لم تخلو من تودد سليمان لفريدة من وقت لاخر وخجلها وتجاهلها الرد، واتفق الاطراف على المقابلات الهامة لرقية مع العروس للاهتمام ببعض الامور التى تخص النساء وثقيلة التحمل للرجال ان جاز التعبير!
انهت رقية اجتماعها ولملمت اوراقها فى آخره وكل ما بخاطرها، هو كيف لمثل هذا الثنائي غير متجانس المظهر ان يكون بمثل هذا التجانس العاطفي، شعور لطيف طغى على قلبها بين فرح وسعادة بما رأته وبين الم صغير من غبطة انها تتمنى مثل تلك العاطفة فى حياتها أيضا.
.
.
.
عالم هام فيه كريم مع مشاعر غريبة متداخلة بين فرح والم وسعادة وحب، فَتَاهَ مع الذكريات واخذته معها وغفل عن اهم ما فيها، انه لم يكن حاضرا بنفسه ليرى تلك الذكريات بعينيه!
ولا ليعلم دواخل رقية وامنياتها الأخيرة، فيكف علم وكيف حدث هذا!
هو لم يلتفت، بل التفت لدغدغات قلبه من ذكر حروف اسم رقية وعيناها وشفتاها، كما هام بها دائما هام بها فى الذكرى!
قبل ان يسترسل ضربت كف كتفه بوقع خفيف لشخص يناديه، فرفع وجهه للذي صد الرؤية امامه فكان إمام المنادي يقول:
رحت فين؟ انا بناديك بقالى حبة محترمين يعنى!
ابتسم له ورد:
رحت لمكان بعيد، بعيد اوي يا إمام!
-طب ارجع معانا بقا، عشان فيه ضيف جاي يشوفك، دنا كنت بدور عليك فى كل مكان حتى عند القسم النفسي لولا انى لمحتك من الدور التالت كان زمانى بلف والراجل الكبير ده بيلف ورايا، وفى الاخر اجى الاقيك غرقان فى احلامك هنا!
-راجل كبير؟ مين؟
فتنحى إمام جانبا وهو يشير للشخص الذي يقف خلفه وقال:
اه، ده الراجل اللى كان بيدور عليك!
نظر كريم فلم يستبين وجهه من اشعة الغروب الاتية من خلفه جعلت وجهه مظلما إلا عندما خطا الرجل خطوات تجاه كريم، فكان رجل مسن محني الظهر، قسمات وجهه تدل على الكبر وملابسه تدل على الرفاهية الشديدة.
تسمرت واتسعت عينا كريم ثم نفر وريد رقبته وهو يناظر عينا الرجل التى شاب سوادها حلقة من لون مغبر تدل على الطعن فى العمر، ثم صاح هادرا:
رجعنى اوضتى يا إمام رجعنى اوضتي!
ثم تذكر امر المقعد الجديد وانه لا يحتاج لمعاونة امام بعد الان، فتخبط قليلا واندفع بعيدا عنهما وقبل ان يتحرك داخلا للمبنى الرئيسي ليصعد لغرفته وجد زهرة امامه كانت تراقب الموقف من بدايته، فسألته:
مين ده؟
-ملكيش فيه!
-لو كان مليش فيه، مكنتش ضيعت انفاسي فى سؤالك يعني!
-وسعي عايز اعدي!
-لا مش هتعدي قبل ما تقولى!
-خليني اعدي، انا معنديش خلق ليكِ دلوقتى، الجلسه فى معادها، حلي بقا عن سمايا!
ابتعدت عن الطريق وعلامات الدهشة بادية على وجهها، لقت ظنت انها ستقوم بمجهود اضافي ليرضى عن الجلسات مرة اخرى، من ذلك الرجل الغريب، ولما كان له أثر كبير عليه، تقدمت خطواتها نحو الرجل وامام الذي بدا عليه القلق مما حدث، فبدات بسؤالها:
ايه اللى حصل هنا؟
قال امام وقد بدا عليه التوتر قليلا مما رآه:
ﻤـ محصلش حاجة، محدش قال اي حاجة حتى!
قالت زهرة بعملية وهي تنظر للمسن:
لا يا إمام انا مش بسألك انت، ارجع لشغلك وانا هرحب بضيف كريم بنفسي!
فحياهم امام وتحرك وكأنه نجى من حرب ما، بينما لاح شبح ابتسامه ماكرة على وجه الرجل المسن، فأعادت زهرة سؤالها ناظرة لمنتصف صدر الرجل:
ايه اللى حصل هنا ؟
فقال بصوت فحيح ضعيف:
مسمعتيش التمرجي وهو بيقول محدش قال حاجة!
-تمرجي!.... مقصدش اللى قلتوه، اقصد اللى خلى كريم مخنوق كدة! اكيد عندك فكرة؟
-معنديش رد الحقيقة انا مجرد راجل كبير عجوز جيت اعايد مريض مسكين ومشلول، انا معرفش ماله! جايز الحادثة لحست مخه! ولا جايز هو مجرد مجنون من الاول!
-اها! طيب خلينا نقول انك مش مرحب بيك هنا، وان دي اخر مرة، انا اسفة انت فى عمر والدي، عشان كدة بكلمك بالراحة، فمتخلينيش استخدم اسلوب نزعل منه، تصبح على خير يا عمو!
انهت حديثها بجديه ثم استدارت وقبل ان تأخذ الخطوة الثالثة سمعت ذات الفحيح يتهكم ويسخر وليس سؤالا:
-هيا ڤيڤيان هنا؟
فلم ترد بل اكتفت بالتفات رأسها تتفرس ملامحه الخبيثة الشامتة، فابتسم وقال:
اكيد هنا!
ايه السؤال التافه ده؟
قوليلها مختار عدى عليكم ماشي اوعي تنسي ها؟
الا صحيح محدش قالك قبل كدة انك زي ما تكوني شيطان صغير كدة، مش عارف ده بسبب الشمس على شعرك ولا بس عشان اللون الفاجر ده مع ملامحك دي!
مش عارف بس اكيد رجالتك كتير مش كدة؟
وقع كلماته القذرة جعلتها ترغب بقتله لا بالصراخ فقط، لما؟
لما يقول لها تلك الكلمات؟
من اعطاه الحق؟
الحقيقة انه اشعل غضبها، فاستدارت ومشت تلك الخطوات نحوه ووقفت امامه ثم انخفضت برأسها لمستوي رأسه وأردفت:
انت عارف، موضوع كُبر سنك ده بقا مش مهم دلوقتي!
لكن صراحة لو رديت على قذارتك دي، هحتاج انزل بمستوايا اكتر منا نازله دلوقتى عشان اشوف خلقتك دي، بالمناسبة شكرا انك اديتني سبب اخليك متدخلش المستشفى دي تاني!
!
قبل ان يتساءل العجوز كانت قد بعثرت شعرها صفعت خدها وقطعت جيب معطفها، وامسكت كف يده وصرخت تنادي الامن ليتخلص من عجوز ماجن تعدى عليها ضربا عندما تمنعت عن قبول حديثه الفاسق!
فجر الرجل وهو يتوعدها بهلاك قريب، فنظرت له وهو محمول بعيدا وصرحت:
قول اللى تقوله، انا شفت اسخم واجن منك، اعلى ما فى خيلك اركبه! بس خلى بالك لو وقعت شعرة من راس الشيطان الصغير اللى قدامك ده، ففيه ابليس هياكل قلبك حي، ابقى جرب واحكيلى!
واستدارت تخرج من معصم يدها زنار مطاطي لملمت به شعرها على شكل ذيل حصان ونزعت باقي الجيب الممزق ووضعته فى السليم الاخر واستدارت مع صوت تصفيق من مدخل المبنى آت من كريم وهو يقول:
يا سلام هايل يا فنانة! قالك ايه خلاكِ تطلعي الشيطان الصغير من شيلتك؟ ومين الابليس ده؟
نظرت له بعينين مثل البحر الهائج تلتقط انفاسها وتحاول لملمة غضبها، وفي ثوان قليلة ابتسمت وأردفت:
انت المفروض تكون ممتن ليا دلوقتي! انا خلصتك من الشيء المقرف ده!
اتسعت عيناه ثم ضحك وقال:
واو حقيقي واو! انت ليه دكتورة ؟ كان مفروض تتجهي للتمثيل والله! قالك ايه بقا جاوبيني؟
-آآه يا كريم! العالم اتحرم من موهيبتي والله! لكن ده نصيبك انت بقا يكون عندك دكتورة زيي! جاوبنى انت الاول وقولى مين ده؟
امتعض وجهه وقال:
معنديش رد، انا هسبقك، معاد الجلسة كمان شوية مش كدة؟ انا هكون فى اوضتي، ومتقوليش لامي عن اى حاجة حصلت هنا! تمام؟
وتحرك مبتعدا عنها بينما عادت ملامح الغضب تكسوها مجددا ودمعت قليلا فأخذت شهيقا وزفيرا وتحركت تجاه مصعد اخر لتمر بمكتبها اولا قبل جلسة كريم
رجع لغرفته فوجد امه تحضر اطباق الغداء على الطاولة القريبة، فباغتته عندما وصل تقول:
الدكتورة لسة قافلة معايا وقالتلى انك جاي وقالت انها هتيجي بعد ما تتغدا عشان كدة قلت فرصة انت كمان تاكل!
فلم يعقب بل انطلق يقطع الغرفة سعيا ناحيتها، فقالت بصوت يكسوه حنانها:
تبارك الله، كنت عارفة انه مش هياخد فى ايدك كتير وهتعرف تستخدمه يا فرح عمري!
بمجرد ان وصل مقابلها حتى احاطها بذراعه ودفن وجهه فى صدرها وبكي بكاء مكتوم الصوت فقط ما اعلمها بحاله هو اهتزاز كتفه فى غير حيلة منه، فأحاطت كتفاه بذراعيها واخذت تربت على شعره المموج بحنان واردفت:
انا اسفة يا حبيبي، متزعلش منى يا بنى! مكنتش اقصد حاجة انا بس اقصد انك بدأت تتحسن وخلاص هتقوم لنا بالسلامة!
شد وثاق ذراعه حولها وقال بصوت مكتوم قليلا:
لا يا امي،انا اللى اسف، كان مفروض انا اللى اشيلك فوق راسي، مش اهلكك معايا كدة!
-متبقاش عبيط يا كريم، انت فاكر انك لما هتكبر هتكبر عليا ومينفعش اخد بالى منك يعنى؟ وبعدين يلا عشان الغدا الجلسة خلاص معادها قرب!
فك وثاق يده واعاد نفسه للخلف فوجد امه تكفكف له وجهه كطفل صغير بمنديلها الحريرى المطرز باتقان، فلم يتمالك نفسه فضحك، فامالت رأسها باندهاش فقال:
افتكرت لما رجعت من المدرسة وكنت مضيع الجومة اللى بالفراولة، الموقف كان شبه دلوقتى! ازاى مسكتِ نفسك من الضحك يا أمي؟ الموقف كان سخيف وساذج اوي بجد!
-مضحكتش عشان مكنش سخيف وساذج بالنسبة لك يا حبيبي، بالعكس كان مهم لدرجة انك كنت بتبكي بحرقة، عشان كدة كل المهم ليك مهم ليا انا كمان، بطل بقا كلام ويلا للاكل قبل ما تيجي البصلة الحمرا دي!
فقهقه من وصف امه الدقيق لشكل لزهرة عندما تعكص شعرها فوق رأسها كما رآها منذ قليل ، لكنه وجم عندما تذكر ما حدث فزفر وبدأ بتناول الطعام بتواضع حتى لا تلتفت امه وتسأل عما يعكر مزاجه!
بعد فترة لا بأس بها اتت زهرة وجلست على ذات المقعد من كل مرة، وبدأت حديثها بسؤال:
انت كنت بتبكي؟
فرد عليها:
انتِ كنتِ بتبكي؟
-متلعبش معايا اللعبة دي، انا شايفة حَمَار فى جناب عنيك!
-انا مش بلعب معاكِ ولا حاجة! انا كمان شايف حَمَار على جوانب عنيكِ!
ابتسمت وكأنها وجدت ضالة هجومها التالى وقالت:
طب احكيلي عن مختار؟
امتعض وجهه واداره بعيدا وزفر قائلا:
قلتلك معنديش رد !
ضيقت عيناها وقالت:
فكرت ان الرد هيكون فى الجلسة! طيب خلينا نغير السؤال! احكيلي عن برهان !!
توسعت عيناه والتفت لها بسرعة البرق وأخذ صدره يعلو ويهبط وصاح بها:
انا مش قلتلك متسأليهاش؟
يتبع..........
آراكم لحد دلوقتى ايه
علاقة كريم وڤيڤيان
سبب رعب رقية الزايد
ظهور فريدة ورونجي (سليمان)
مين مختار؟
مين برهان؟
مين ابليس؟
وليه زهرة خرجت عن شعورها؟
الثامن من هنا
قراءة رواية شظايا ثمينة الفصل الثامن 8 كاملة | بقلم ايمان قنديل
اقرأ الآن تكملة رواية شظايا ثمينة الفصل السابع 7 كاملة في الفصل التالي.
فصول رواية شظايا ثمينة مرتبة كاملة
كل ما تبحث عنه من فصول رواية شظايا ثمينة متوفر هنا بشكل منظم.