رواية عندما يعشقون صغارا على حكايتنا حكاية مصممة إنها تخرجك عن منطقة راحتك!
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل السابع والعشرون 27 بقلم نيفين ابو غنيم
0
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل السابع والعشرين 27 بقلم نيفين ابو غنيم
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل السابع والعشرين 27 بقلم نيفين ابو غنيم
الفصل السابع والعشرون
من بعد حفلة صاخبة أمضاها الشباب بالرقص والغناء والصخب جرت في شارع الحيّ أنهوا توضيب كلّ شيء وتعشّوا ليستلقوا من بعدها باسترخاء وتهالك كلّهم معا في بيت أبي كرم لا تشاركهم أنثى في المكان سوى
أم أحمد لا غير
كان يوسف مستلق على فراش أرضيّ افترشته لهم والدته وأفكاره هائمة في مكان آخر كان يعيش حالة خاصّة من الهيام في الأيّام الماضية وقد باتت زاكية تغدو أنثى أخرى بوجوده لا علاقة لها بتلك القديمة
أنثى تأخذ لبّه حيث أصبحت تبادر هي دوما بالمكالمات الصباحية توقظه وتسأله عن مشاريعه لليوم كما وأصبحت تتطلّع لمكالمات الليل تطيلها وتتلكّأ في انهاءها تحاول فيها سبر أغوار حياته الماضية وفهم مشاريع مستقبله القادمة تستفهم
عمّا يحبّ ولا يحبّ تحاول فهمه والتعمّق في شخصيته حتّى أنّها وببادرة صادمة زفرت بضعة دمعات له اليوم صباحا بالذّات تشكوه أختها التي لا تردّ على اتصالاتها منذ فترة طويله تصرّح له بقلقها عليها حينا
وفي أخرى تشكوه عدم اهتمامها بها ونسيان أنّ لها أختا عليها السؤال عنها حزينة كانت أنّها لن تحضر زفافها ولن تكون موجودة لتمسك لها ذيل فستانها كما يجب على أيّ شقيقة أن تفعل بينما تخرج
من باب منزل عمّها غدا كي تستقلّ معه سيّارته المزيّنة
بجانبه على الأريكة المجاورة كان أحمد يمسك هاتفه يتحدّث كتابيا مع زوجته التي كانت تتحرّش به فعليا تعبّر له عن شوقها وقد ابتعدت عنه ليومين كاملين قضتهما في بيت أهلها مؤازرة لابنة عمّها ورحيق التي
كانت أيضا قد غادرت إلى بيت عمّه أبي مجد منذ أسبوع و بأمر مستبدّ من العمّة كي لا تبقى بمكان واحد مع عمر
ابتسامة أحمد شقّت وجهه لا إراديا بينما يتذكّر تلك الليلة التي وصل فيها من السفر ذلك الجنون الذي استقبلته به زوجته المجنونة مضيّعة عليه الاستمتاع بالتفاصيل التي عملت جاهدة على استقباله بها لا سيّما التفاصيل
المتعلّقة بها هي شعرها المسرّح والذي كان يهفهف على خدّيها بخصل ملوّنة كالحرير وذلك الخصر الأهيف والجسد الرشيق الذي عاد ليشبه ما كان عليه قبل سنوات والذي سترته أو ربّما عليه أن يقول كشفته بثوب
نوم أحمر من قطعتين لم يتبيّن تفاصيلهما جيّدا وقد استغنت عنهما هي بنفسهما بذات الجنون
وبينما الأفكار المنحرفة تسترسل في عقله أرسل لها
بمّا إنّي ماخد يومين إجازة بدّي تعوضيني وتلبسيلي بكرة بعد العرس قميص النوم أبو قطعتين وأوعي تقوليلي بعد بكرة الصبح بدّي أروح عالمعهد اعملي حسابك توخدي إجازة زيّي
أرسلت له سراب وجها خجولا لا يشابهها وكتبت
ليش ما قلتلك؟
الدورة اللي بعطيها للطلّاب خلصت واعتذرت عن الدورة الجديدة لإنّه الشغل اللي بيعطيني إيّاه كرم كتير وبدّه وقت ومجهود وكمان الترجمة اللي بعملها للمنتدى بتسلّيني وبتاخد وقت
تنهّد حينها أحمد سعيدا وقرّر مناكفة أخوته الذين كانوا يتحدّثون عن بعض تفاصيل الحفل مع معتز فقال مبتسما من حيث هو مستلقٍ بعبث:
آه شباب بتعرفوا شو بدكم تعملوا بكرة ولا أحكيلكم؟
وكأنّه لم يصدّق شاركه كرم الجالس على أريكة أخرى العبث وقال:
والله أظنّ يا أبو رشيد إنّه لازم تفهمهم حاسس إنهم ممكن يفضحونا!
ضحكة معتز الصاخبة تبعها قول يوسف الذي رفع رأسه عن الوسادة قائلا:
أنا عن نفسي فاهم المقرّر كلله بس بالنسبة لعمر ما بعرف أنا خايف يكون باصم حافظ غيبا مش فاهم
ضحكاتهم التي ارتفعت ازدادت صخبا عندما ضربه عمر بكتفه ضربة موجعة بينما يقول معتز بصوت محتقن مكتوم:
لا دخيلكم ما حد يحكي إشي ترى أنا على آخري مش متحمّل!
أمّا عن عمر فشاركهم الضحك بزيف ضحكات لم تتجاوز شفاهه ليخرج من بعدها من غرفة الجلوس الكبيرة حيث يرقدون بل ويخرج من المنزل كلّه ويقف في حديقة البيت يدخّن سيجارة اختطفها من سجائر يوسف دون
أن يلاحظوا لينفث سمّها من بين شفتيه ويلفظ أفكاره بها توتّره ومخاوفه هو لم يكن ليخبر يوسف فخورا أنّه يسبقه بخطوات لم يكن ليفعلها قط وإن تمنّى تمنّى أن يبثّ شخصا ما مخاوفه يطلبه النصيحة
فما الذي من الممكن أن يفعله شخص في حالته كيف سيتعامل مع عروسه عروس لم تسامحه قطّ على ليلة زفافها المسلوبة!
ليلة الزفاف
إحدى قاعات الزفاف الكبرى
كان يراقبها كيف تنظر بانبهار لكلّ ما تراه حولها تلك الثريات الفخمة بأضوائها المبهرة والتي تتلألأ في المكان بإشعاع مبهج صورتين ضخمتين لكلا العريسين كلٌّ مع عروسه بجانب باب القاعة تقبع بجانب طاولة فخمة يعلوها
دفترين وقلمين مزينين بطريقة فنية يسجّل بهما الحضور تهانيهم الخاصّة الندّل الذين يدورون بطرابيشهم وملابسهم الفلكلورية يقدّمون للضيوف القهوة العربية ترحيبا بهم.
كلّها أشياء كانت تنظر لها آنجلا بانشداه يشابه انشداه آليس عندما وجدت نفسها فجأة في بلاد العجائب
كان عماد مشغوفا بتلك الهالة من الحالمية التي تلفّها بتأثير أجواء العرس التي أحبّتها بتفاصيلها منذ الأمس
أخبرته أمّه كيف عشقت ليلة حنّاء العروستين وسألته عن تفاصيل حفلة سهرة الشباب كلّ التفاصيل وجعلته يعدها أن يحضر شريط التسجيل الخاص فيها كما وانبهرت بالزفّة الشامية التي خرجت عليها العروستين من بيت خالته أم
مجد والتي على ما يبدو كانت مفاجأة عمر لزوجته الشاميّة التي لم تخيّب ظنّه وتأثّرت كثيرا ببادرته تلك.
أمّا الملابس الشعبية للفرقة ومقارعة السيوف التي أدّتها فقد كان لها الأثر البالغ على آنجلا والتي يكاد يجزم أنّها لم تطرف بعينها للحظة بينما تراقبها
مقاطعا تأمّلاته توقّف كرم وغزل عند طاولتهم يرحّبون بهما لا سيّما بعروسه التي كانت سعيدة برؤية بعض الوجوه المألوفة وأخذت تحدّثهم بحماس عن روعة التحضيرات وتهنأهم على رقيّ ذوقهم
أمّا غزل فكادت تصرخ متأوّهة من قبضة زوجها والذي كان يستعجلها خفية لإنهاء حوارها مع آنجلا بسرعة والحقيقة أنّه لم يكن موافقا أصلا على أن تأتي معه لتحيّتهم ولكنّها من أصرّت فعماد ليس وحده بل
معه زوجته وابنه غريبين في مكان لا يعرفون فيه أحد وكان من واجبها أن ترحّب بهما
ما إن تركا ضيوفهم أخيرا حتّى همس لها كرم:
خلص ارتحتي هلّأ بعد ما حرقتي أعصابي
هزّت غزل كتفها برقّة وقالت بدلال:
حياتي إنت هالأيّام دايما أعصابك محروقة!
حدجها كرم بطرف عينه وقال بصدق:
شو أعمل بحسهم ولادي ومسؤوليتي لو أبوي الله يرحمه عايش كان خفّف عنّي كتير
أمسكت حينها غزل كفّه وقبّلتها بخفّة وخفية عن العيون وهمست له:
الله يخلّيك إلنا وما يحرمنا حنانك واهتمامك حبيبي
حينها نظر لها هو بنظرة متفحّصة متأمّلا فستانها الزيتي بقصّته الناعمة التي تهدّلت على جسدها بإغراء وهمس قائلا:
بس شو هالحلاوة مش عارف كيف خلّيتك تطلعي هيك اليوم
الأضواء التي خفتت فجأة أثارت صمتا وإثارة بأجواء القاعة ترقّبا لدخول أحد العريسين مع عروسه والذي لم يكن إلّا يوسف يرتدي طقما أسود بقطع ثلاث وقصّة إيطالية التصميم تعلو قميصا أبيض وربطة عنق شبابية قصيرة
بشخصيته الطاغية وجاذبيته الواضحة وخفّة دمّه المعروفة أثار يوسف ابتسامة الحضور جميعهم بما فيهم آنجلا التي أسرتها الفرحة التي كانت تبدو واضحة عليه والفخر الذي كان يشعر به بينما يتمسّك بعروسه بشدّة والتي كانت تبدو
بصورة مناقضة له بملامحها المشدودة وركازتها الواضحة حتّى وهي متوّجة كملكة بفستانها الأبيض ذو الأكمام المخرّمة الطويلة والذي ناسب قصر قامتها بقصّته البسيطة التي حدّدت المنطقة أسفل صدرها وانساب بنعومة وجمال على قدّها بطيّات ناعمة
متطايرة تسترسل حتّى قدميها وبالكاد يظهر حذائها الفضيّ الذي أسمعت يوسف بغرفة التصوير معلّقة هجاء طويلة فيه لشدّة ما كرهته لعلوّ كعبيه المرهق
متخليّا عن المظاهر تفاعل يوسف مع كلمات الأغنية الحماسية التي كانوا يدخلون عليها ليمسك بيد زوزو مرغما إيّاها على التمايل معه وكلمات أغنية وصلوا العرسان للفنان فارس كرم تثير فيه حماسة شديدة أرادها أن تتغلغل
في مساماتها فتنسى حزنها وخيبتها بعدم حضور شقيقتها
عمر والذي دخل بعد شقيقه بدقائق هو الآخر كان يبدو وسيما وربّما الأكثر وسامة بين أخوته بينما يرتدي طقما مشابها لطقم شقيقه ولكنّه بهيبته وركازته بدى مختلفا عن يوسف وبالرغم من ذلك لفت انتباه الحاضرات
خاصّة بتلك الطريقة الرقيقة التي احتوى بها عروسه الناعمة المحجّبة والمتعلقة بذراعه بدلال بينما يفرد بين كل فينة وأخرى قماش ثوبها العريض والمزموم بفيونكة عريضة من خلف خصرها فيسهّل لها المشي أكثر
متحمّسة جدا ومتأثرة بصوت ماجدة الرومي بأغنيتها بيوم عرسك والتي دخلوا عليها طلبت آنجلا من عماد أن يترجم لها الكلمات ففعل هو بسعة صبر واحتواء كما فعل بالضبط طوال الحفلة لدى كلّ أغنية رقص عليها
العرسان وكلّ واحدة تعجبها نغمتها الموسيقية وهو كان يبذل جهده لإرضائها رغم مشقّة الأمر عليه لا سيّما وهو لم يكن ممّن يصغون لتلك الأغاني أصلا ولكنّه فعليا يئس من محاولته في تلك اللحظة التي طلبت
منه ترجمة أغنية إنت معلّم!
مأخوذا بتلك الأنثى المنطلقة مبهورا بالحبّ الذي كان يصرخ من مقلتيها هائما بتلك الكلمات التي كانت تغنّيها مع نجوى كرم بأغنيتها الحلم الأبيض بينما تراقصه والتي لم يكن يعرف أتتقصّد أن تغنّيها معها فعلا واعية
لكلماتها أم أنّها فقط تفعل ذلك بحالة انسجام مذهلة
بقلب الضجيج سمعت صوتك جيت
بطلت اسمع بس وحد بسمعك
دشرت بيت القلب مطرح ما ربيت
افرح معك ابكي معك ابقا معك
بالحلم الابيض والطرحة والمحبس يلمع بايدي
وبعينيي دمعة فرحة عم ترسملي دنيي جدديدة
وبينما تصل لذلك المقطع حيث تقول الأغنية
بدي قول لكل الدنيي حبيتك
بدي قول لكل العمر نقيتك
نظرت زوزو لعينيه بينما تردّد مع صوت المطربة وتنهي قولها هامسة بما أذهلها هي بنفسها
بحبّك
حينها لم يتمالك يوسف نفسه احتضنها بقوّة آلمتها وجلبت من بين شفتيها آهة ألم ضاحكة ليحملها بين ذراعيه بينما عينيه وملامحه كلّها تتبدّل بفعل الإثارة ويأخذ بالدوران بها بسعادة عارمة ليضعها ما إن نهرته بحياء
وخجل فيهمس لأذنيها لاهثا:
ما راح أسامحك عالوقت اللي اخترتيه لتعترفي هالاعتراف الخطير بس بتتعوض كلها كم ساعة وبنكون لحالنا ببيتنا!
أمّا عمر فلم يكن حال رحيق الساهمة خافيا عليه وذلك الانكسار في عينيها كان ينزف مرّا في قلبه وبينما ينظر إليها كيف تنظر لسلفتها العروس بنظرة بها مرارة وحسرة وكأنّها بقلبها لا تستطيع أن تتجاهل
ذلك الفرق الذي لا يراه أحد بينهما ولكنّهما هما فقط من يدركانه قرّر أنّه سيخرج عن طبعه ويقاوم حرجه ويشعرها بمدى السعادة التي يشعر بها صدقا لأنها أخيرا ستكون له من جديد وعلى نور ولذلك
فقد استغلّ الأغنية الناعمة التي كان عليه أن يراقصها على كلماتها ليبثّها صدق إحساسه بها فقرّبها منه كثيرا محتضنا إيّاها أكثر منه مراقصا بينما يدمدم كلمات الأغنية في أذنها
غارقة في حضنه راضية بالاحتماء به من شعورها المؤلم باليتم والذي تشعر به اليوم موجعا رغم وجود أقاربها معها هنا بالحفل حتّى أنّها كانت تحبس دموعها بقوّة تركت غصّة ألم في حلقها.
مرّغت رأسها في حضنه أكثر وخيبتها وخجلها وشعورها العارم بالعار كلّها تتزايد الآن بينما تشعر بنفسها قريبة منه لتلك الدرجة تلك المشاعر المخزية التي كانت تسيطر عليها بالأيّام الأخيرة كلّما كان موعد الزفاف يقترب أكثر
والذي جعل من امتنانها للعمّة أم مجد عظيما عندما أخذتها لتستقرّ في بيتها بالأيام الماضية
ومن بين كلّ تلك الأفكار السوداء كلمات عمر كانت تتسلّل لوعيها وإدراكها فتنقشع تلك الغمامة الرمادية رويدا رويدا مداعبة قلبها المشغوف به حبّا
هلآ عمرى زين فيكي.
زين فيكي
اهلى واهلك فرحوا فيا.
فرحوا فيكي
اسمحيلى من الرقصه الاولى
اوصلك احساسي فيكي تسلميلى ما أحلاكي التوب الابيض شو محلااااكي راح اكمل حياتى معاكى وأقضى عمري غنج فيكي
راح بتسيرى ام أولاادى ونعمر بيت السعاده من فرحه قلبى راح نادى خليكي بعمرى خليكي
أوصلك احساسي فيكي
زينتى عمرى وأيامى عمري وأيامي
صارت حقيقه احلامي.
حقيقه احلامي
زينتى عمرى وأيامى.
↚
عمري وأيامي
بدي اهنيكي بغرامى.
بدي تتهنى بغرامى
وأعمل كل اللى بيرضيكي
تسلميلى ما أحلاكي التوب الابيض شو محلااااكي راح اكمل حياتى معاكى وأقضى عمري ايش فيكي
راح بتسيرى ام أولاادى ونعمر بيت السعاده من فرحه قلبى راح نادى خليكي بعمرى خليكي
اسمحيلى من الرقصه الاولى
أوصلك احساسي فيكي
متنهّدة رفعت رأسها عن صدره سارحة في كلمات الأغنية والحبّ يرشق من عينيها نحوه لتجد عينيه تفيضان دفئا وحنانا لها فابتسمت لعينيه بوله ليقبّلها هو على جبينها بكلّ الحب الذي يملك ويتبعها بقبلة على كفَها
التي تشبّث بها ليديرها حول نفسها فتنتهي مغمورة في حضنه ظهرها له ورأسه غارقا في تجويف رقبتها من فوق طرحتها البيضاء
قبل نهاية العرس بوقت قليل
مبتسما شاهد عماد أولاد خاله أحمد وكرم كلٌّ منهم يمسك زوجته ويتّجه بها نحو حلبة الرقص بحماس ويبدأ بمراقصتها والتمايل معها على أنغام أغنية Engelbert Humperdinck - How I Love You
وسرعان ما التفت بناظريه يبحث عن ملاكه زوجته هو عروسه التي لا يصدّق حتّى الآن أنّها قد عادت إليه لولا تلك السعادة التي تغمر قلبه كلّما نظر إليها وذلك الفخر الذي يملأ كيانه عند تذكّره
أنّ هذه الجميلة بل جميلة الجميلات قبلت أخيرا أن تعود له من جديد مهما كانت ركائز تلك الحقيقة ناقصة ولكن لا يهمّ
في الحقيقة يكاد حتّى الآن لا يصدّق كيف لعب الحظّ معه في ذلك اليوم الذي جاء به أولاد خاله أبي كرم ليقوموا بدعوتهم إلى هذا الزفاف
يومها وعند استيقاظ آنجلا وبينما يتقطّر الإحراج من محيّاها البهيّ لتطفّلها على بيت أهله كما كانت تظنّ جاءت والدته لتعطيها محاضرة عن عدم استقرار عبدالله النفسيّ وانعدام شعوره بالأمان لا سيّما بوضعه ذاك وبعدها وما
إن تركتهم والدته غامزة له كي يكمل من حيث انتهت وقف أمامها ينظر لها بأمل ليهمس سائلا:
ألن تغفري
صمتت بوقتها قليلا لتنظر له وتقول بصوت جامد:
والدتك معها حقّ إيماد لأجل آبدوالله أنا موافقة وفقط لأجل آبدوالله تذكّر ذلك
لا يهمّ بوقتها فكّر المهم أنّها وافقت وهو سيكون أكثر من قادر على استرجاع محبّتها بحبّه ومراعاته واحتواءه وكثيرا كثيرا من تفاصيل خاصّة سيعيد سردها على ذاكرة جسدها فيحييها وتعود للتوهج من جديد فتعود له
كما كانت وكما يريد وبالطبع هو في حينها ما كان ليخمّن أبدا تلك المفاجأة التي كانت آنجلا قد أعدّتها له كما لم يعلم لا هو ولا هي أنّ والدته ستستغلّ فرصة وجود الضيوف لتضغط عليها
وتضرب عصفورين بحجر واحد تعجّل بالزواج فتتباهى بكنّتها الجميلة أمام شقيقتها كما تفعل الآن بالضبط
ابتسم عماد تلقائيا بينما يرى والدته تمسك بيد ملاك -التي كانت ترتدي فستانا ناصعا أبيض أصرّت عليه والدته كتذكير واضح للجميع أنّها هي الأخرى عروس- تسحبها من طاولة إلى أخرى تقدّمها بفخر لكثيرات من معارفها
على أنّها كنّتها الألمانية
غافلا عن كلّ تلك الأضواء التي كانت تتلألأ من حوله والتي رغم شدّتها عجزت عن التسلل لعتمة عينيه الصحراوية مبتلعا كلّ تلك الأصوات التي كانت تدور من حوله متلاهيا مع نفسه بتحليلها وإضفاء بضعة تفاصيل
عليها مختزَنة بعقله الفتيّ الصغير فيتخيّلها بأشكال وألوان لا تشابه حقيقتها بشيء شعر عبدالله بيد والده تربّت عليه ليغمره من بعدها عطره الدافئ الذي يألف ويخبره أنّه سيذهب لمراقصة والدته وأنّه سيكون آمنا هنا بجانب
جدّه
دقائق فقط وكانت ملاك بحالتها الحالمة المتأثرة بأجواء الزفاف الخيالية تتهادى متمايلة بحضن عماد وكلمات الأغنية التي بدت كما لو أنّها قد كتبت خصيصا لهما تعزف على أوتار قلبها فتتلاعب فيه فتخرج من روح روحها
آلاف الآهات والآهات
متمسّكا بها قرّبها عماد منه أكثر ومشتاقة رمت برأسها على صدره بتسليم أسعده وزاد من انقباضات معدته التي تكاد لا تتوقّف في كلّ مرّة ينظر إليها فيها وتتسلّل الذكريات من سجن روحه الذي بات الباب
فيه مشرّعا بلا أوصاد ولا حرّاس
لاهثا قبّل رأسها من فوق الحجاب فتملمت بقصد وهمست قائلة:
أرجوك إيماد توقّف عن حركاتك هذه
فهمس لعينيها وأوتار جسده تشتدّ وتتراخى بتفاعل مهلك مع نظراتها وهمساتها و ملمسها:
لجام مشاعري ما عاد بيدي ملاكي فلا تلوميني
فهمست بدلال:
من ألوم إذا؟
أمسك عماد كفّها ووضع باطنه فوق فمه متنشقا إيّاه فمقبّلا:
لومي قلبي الذي يعشقك روحي التي كانت تذوي بعيدا عنك وجسدي جسدي الذي يتأهّب عند كلّ ذكرى تلوح له قد كانت بيننا فمتى متى سترحمين قلبي ملاكي
حينها أبعدت عنه آنجلا رأسها وقالت بغنج مقصود بينما كلماته تروي أزهار روحها التي ذبلت بعيدا عنه بقطراتها النديّة:
إيييماد أخبرتك
فهزّ عماد رأسه وكثرة الكبت تهتك بروحه:
أعرف أعرف ملاك فقد تفضّلتي مشكورة بأن أخبرتني بعد عقد زواجنا وبعد الأحلام الطويلة العريضة التي كنت قد بنيتها لنا لتلك الليلة وقبل حتّى أن أبدأ بتنفيذها بأنّك ما تزوّجتني إلّا لأجل آبدوالله وأنّ هذا
بلا شكّ أمرٌ لا يهمّه!
بفستانها الأبيض المنفوش الذي لم يكد يتجاوز فخديها الأبيضين وقفت دلع أمام عبدالله كجنيّة صغيرة بشعر كستنائيّ ناعم يتهادى حول وجهها بنعومة وشقاوة فتتأمّله بعبوس لتقترب من بعدها منه أكثر متأفّفة وتتسلّق الكرسيّ الذي فارقه
والده توّا فيقطّب هو جبينه متوجّسا قبل أن يصله صوتها رقيقا ناعما حانقا:
كلهم كلهم بقولوا إنّي كتييير حلوة اليوم
التوتّر في قلب عبدالله تلاشى ولكنّ سمات الارتباك وعدم الفهم ملأت محيّاه الوسيم فمن كلماتها كلّها هو لم يهم سوى كلمة حلوة فهزّ رأسه عاجزا لتزفر هي بقهر عندما لم يؤكّد على كلماتها فتقول بغيظ
لصمته وعدم مصادقته على تصريحها بينما تنفض رأسها بغرور طيّر خصلات شعرها لتلامس وجهه:
أصلا أنا بعرف إنّي حلوة بابي هيك دايما بحكيلي وكما بحكيلي إنّي أحلى من مامي بس هششش هاد سر أوعى تقولها
عندما سكت نظرت له دلع بتأمّل لتقول بينما تضع أصبعها الصغير بظفره الملوّن بالأحمر أسفل ذقنها لتربّت عليه بتفكير:
امممم إنت كمان حلو أحلى من راشد ورشيد بس مو أحلى من بابي طبعا!
قهقهة جدّه قطعت عليه متعته بتتبع نبرات صوتها الرقيقة المتقلّبة فيقول له جدّه مناكفا:
إنّ هذه الدمية الصغيرة بشعرها الكستنائي وعيونها الخضراء الجميلة وقامتها القصيرة تتغزّل بك علنا
ابتسم عبدالله خجلا وعقله يستعيد صورة قديمة لجنيّة صغيرة تخفي نفسها بحضن والدتها فينشرح لذكراها صدره
صوت خطوات صغيرة متراكضة تقترب منهم وتتوقّف بالضبط عند كرسيّه المجاور أثارت حفيظته وجعلت جسده متأهبا
أمسك رشيد بيد دلع يجرّها لتلعب معهم فهزّت كتفها رافضة بينما تخبرهم أنّها تريد اللعب مع عبدالله حينها نظر لها رشيد وقال لها هامسا باستغراب:
بس هو أعمى ما بشوف كيف بدّك تلعبي معه؟
نظرت حينها دلع باستنكار لعبدالله وقرّبت وجهها من وجهه حتّى أنّ أنفاسها الناعمة برائحة الفراولة لفحت وجهه بينما تنظر إلى عينيه بتدقيق وتتمادى فتلمس وجنتيه تقرّبه منها أكثر لتبتعد من جديد وتنظر لرشيد بغضب وتقول:
ييييي ما أهبلك كيف ما بشوف وهو عنده عيون ها شوف عيونه ما أحلاهم ملونين زي عيوني مو متل عيونك يااااااع
أجابها حينها راشد بملل وقال بصوت خفيض:
يا ذكية حتّى اللي ما بشوفوا عندهم عيون
ولأنّ علاقتها براشد أفضل منها من رشيد صدّقته ونظرت لعبدالله وهمست قائلة بحزن:
يا حرااااام مسكين
حينها قال لها رشيد بقلّة صبر:
احنا رايحين بدّك تيجي
هزّت رأسها وقفزت عن الكرسيّ ورمقت عبدالله بنظرة حزن أخيرة لتركض خلف أولاد عمّها متناسية كلّ شيء فيما عدى المتعة القادمة
أخفض عبدالله رأسه بعد مغادرتهم بألم فرغم كونه لم يتعلّم العربية بشكل ممتاز بعد إلّا أنّه تعلّم هنا كلمات ثلاث اعتاد سماعهم بشكل متواصل
أعمى حرام مسكين!
دموعها تنهمر رغما عنها تحاول اخفاءها ومداراتها مراعاة لمشاعر أولادها فتعجر دموع كتمتها طوال الأيّام الماضية حتّى لا يروها وليتها لم تفعل لما كانت الآن تؤلم صدرها وتكاد تشقّه وجعا فبأيّام كهاته وفرحة شبيهة بها
وحيدا بالمنزل نازع سكرات الموت على غفلة منهم مات بينما هم يرقصون ويغنّون أمّا اليوم وكما في الأيّام القليلة السابقة كانت تشعر بروحه موجودة بينهم تشعر بها ولا تراها وهذا ما يكاد يقتلها أبو كرم
روحها التي فارقتها آآآه كم تشتاقه
من بعيد رأتها أم عماد فاقشعر بدنها رغما عنها وشعرت بتلك الحرقة في قلبها وذلك الندم العظيم على أيّام قد قضتها بعيدا عن شقيقها يقتلها رفضه لابنها كمدا لو أنّها فقط فهمت وأدركت كيف أنّ
الله لا يمنع عن شخص خير إلّا ويخبّئ له خيرا أعظم أمّا الآن فما فائدة الندم فشقيقها قد مات وبه فقدت عزوتها وسندها
ولكنّه لا يزال يحيا بأولاده وبزوجته هكذا ذكّرت أم عماد نفسها وهكذا وبعزم وجدت نفسها تتجّه نحو زوجة أخيها الراحل والتي رغم كلّ شيء لم تقصّر فيها يوما أو تتكلّم عنها بسوء
في ذلك الحين كانت أم معتز أيضا قد لاحظت تلك الحالة التي كانت أخت زوجها أم أحمد تغرق بها فاتجهت إليها وبدأت تكلّمها وتمسح على صدرها مخفّفة عنها عظم المصاب
مسحت أم أحمد دموعها وأخذت تنظر لأولادها الأربعة يراقص كلّ منهم زوجته بهيام تقرأ عليهم القرآن وترقيهم من العين وتشكر الله على نعمته إذ جعل منهم عوضا لها وبينما تفعل لاحظت كيف أشرق وجه يوسف
فجأة بينما ينظر إلى باب القاعة بسعادة ومن ثمّ إلى ذلك الواقف في إحدى الزوايا البعيدة يحمل بيده سيجارة منسية ونظرة بؤس ويأس تغشي مقلتيه ليرفع رأسه فجأة وعلى حين غرّة فتتبدّل ملامحه تلك وتتعاقب
عليها المشاعر من عدم تصديق إلى ذهول إلى سعادة سعادة غامرة جلبت لعيني والدته الدموع دموع أعلنت بها استسلامها رافعة رايات القبول
دقائق الانتظار كانت تتراكض بتسارع مخيف والدقائق تحوّلت لساعة والساعة لاثنتين والأمل بقلبه كان يخبو رويدا رويدا كما شمعة تنازع بفتيلها الذائب تقاوم من أجل البقاء فتزداد تخبّطا رغم اقتراب لحظة النهاية
لن تأتي ولا يعرف ما الذي عليه أن يفعله الآن كيف سيحيا بدون فسحة الأمل بحياته الضيّقة نظراته كانت رغم اليأس تخونه فتلتفت بضعف كلّ حين ناحية الباب وكأنّه يطالبه بالفرج وقد جاء جاء وليأسه
لم يصدّق هي خياله هي أمنياته أمنياته التي تتشبّث بذراع أخيها الأصغر بتردّد تنظر حولها بترقّب تجد عينيه فتشرق عينيها وبلحظة تنطفئ وتنكسر بضعف بعدم ثقة لكنّها سرعان ما تنتفض فهي أوّلا وآخرا مي مي
التي مهما حنت هامتها الخضوب لاتنكسر أهي حقّا مي؟
هنا جاءت موافقة!
إنّها هنا لا تصدّق حتّى الآن بأنّها فعلتها بأنّها قد حضرت أهي مجنونة أأعطته حقّا الضوء الأحضر!
أيّام مرّت قاومت فيها الأمر بضراوة حتّى وهي تمسك الدعوة مرارا وتكرارا كلّ يوم تنظر إليها فترى فيها وجهه الحزين عينيه الجريحتين كلماته المتوسّلة حتّى حين علمت من زوجة أخيها فاطمة الحزينة أنّ عمّتها قرّرت
الذهاب لبيت مسنّين حتّى وهي تخبرها أنّ أقاربها لم يتذمروا عند هذا القرار من قلّة النقود وكثرة التكاليف حتّى وهي تعلم من والدها أنّ عمّها أبا معتز قد دعاه لحضور حفل الزفاف وبشكل شخصيّ
أيّام لم تنم فيها لا بليل ولا بنهار صلّت فيها وصلّت استخارت الله وانتظرت انتظرت علامة واضحة تبوح لها بما عليها أن تفعل تعلّق عليها أيّ خيبة مستقبلية قد تحصل لكن لا شيء حصل فقط
شريط حياتهم معا كان يدور ويدور في عقلها فتوقفه عند لحظات محدّدة تناقش تفاصيله بينها وبين نفسها تحلّله فتقول لو أنّها فعلت كذا أو ربّما لو أنّها ما قالت كذا فأدركت حينها أنّها لم تعد
ذات الفتاة الطائشة أنّها نضجت فكريا وأصبحت أكثر وعيا وإدراكا
وجاء موعد الزفاف فجبنت وخافت ونامت وماطلت حتّى جاءها زياد أخيرا يخبرها أنّ الوقت لم يفت بعد وأنّ الحفل لم ينته فصمتت وذهبت لوالدها تسأله الإذن بالذهاب فوافق طالما هي واثقة ولم يكن غافلا عمّا
يوافق وهكذا وبلحظات قرّرت وها هي الآن هنا تنظر لعينيه الحبيبتين تلمح يأسه تقرأ دهشته وتلوّن روحها فرحته
لحظات فقط وكانت مغمورة بذراعين ضخمتين متلقية قبلة على الجبين وصوت أبوي حنون هو صوت عمّها أبي معتز ينفض عنها ثوب التردّد والخجل يقول لها:
يا أهلا والله بهالطلّة نورّ العرس يا بنتي نوّر بهالوجه الصبوح
مبتسمة رفعت رأسها تنظر إليه ولكنّها الابتسامة تحوّلت لرعشة فمن وراءه كان يقف هو معتز بلهفته وشوقه وجنونه يقاوم جنون الأفاعيل فهي هنا قريبة بين ذراعي والده المحظوظ والشوق مضنٍ وبحور صبره قد جفّت
ملبيا نداء القلب ولهفة الروح لم يقاوم معتز ولكنّه وقبل أن يخطو حتّى بنصف خطوة قوّة عجيبة أعادته للوراء فالتفت بغضب وضيق فمن ذا الذي يبعده عنها وإذ به يتفاجأ بالعريس نفسه قد ترك عروسه
وجاء إليه ليفعل ماذا ينكّد عليه؟
نظر معتز ليوسف بضيق وقال له بحنق:
مغلّب حالك وتارك عروستك ليش؟
↚
اتركني يوسف اتركني أروحلها
أمسك به يوسف من عضديه وهزّه بقوّة قائلا:
يا مجنون امسك حالك ما صدّقنا تيجي بدّك تخوّفها
اهتزّت حينها مقلتي معتز ونظر نظرة خاطفة إليها ليجدها وقد أصبحت بين ذراعي عمّته أم أحمد المرحّبة وهمس قائلا بصوت مرتجف:
إجت قَدِمت يا يوسف إجت صح إجت ولّا أنا بتخيّل؟
احتضنه حينها يوسف بقوّة وقال ضاحكا بصخب:
إجت والله إجت!
حينها اعتصره معتز بين ذراعيه بقوّة أكبر وبفرح كبير مداريا بذات الوقت دمعة فرح تسلّلت بخجل من بين مقلتيه!
بعد الزفاف
كان متمدّدا على سريره يكاد لا يشعر بقدميه لشدّة تعبه يقاوم نوما يوشك أن يغلبه بينما ينتظرها حتّى تنهي وضع أطفالهما في سريرهم والذين وصلوا نياما من شدّة الإرهاق
كانت عيناه قد بدأتا بالإطباق فعلا عندما شعر بها تلج إلى الغرفة وتطبق الباب
راقبها من بين جفنيه تخلع عنها ما ترتديه من ذهب وحليّ ببطء مثير واعية ليقظته وعيونه المتلصّصة واعية لتلك النظرات المتأجّجة التي كانت قد بدأت تتسرّب منه بالفترة الأخيرة لتصل ذروتها اليوم لا سيّما وزوجها
كما تعرفه دوما يتوق بعد كلّ عرس ليلعب دور العريس
زفر مجد بضيق بينما يلمحها تدخل الحمّام لتغيب به بعض الوقت فتتركه من وراءها مبحطا حنقا محتقن المشاعر لا سيّما بعد فترة طويلة من الهجر
نعم هو تجاهلها وهجرها لأكثر من شهرين
كانت عيون مجد ترقب الباب الذي دخلت منه بشوق بينما كان يتساءل بينه وبين نفسه كيف استطاع هجرانها كلّ ذلك الوقت وهو الذي كان قلبه متولّع بها حبّا ولكنّها جرحته
جرحته عندما أشعرته بسهولة استغناءها عنه بسهولة المضيّ قدما بحياتها مخلّفة إيّاه وراءها وكلّه لأجل ماذا مجرّد قلّة عقل وغيرة فارغة لا ركيزة لها
لكنّه تعب تعب وجفّ نهر صبره فهو رجل رجل حرم نفسه من زوجته لفترة طويلة طويلة جدا وهو مشتاااق وهي جميلة جميلة جدّا في الحقيقة وهو يحبّها يحبّها بغباءها وضعفها بغيرتها وتعنّتـ
أفكاره شهقت رغما عنه بينما يراها تخرج بدلال و خجل ترتدي قميص نوم جديد أسود قصير وترتدي فوقه روبا يظهر أكثر ممّا يخفي الخبيثة تعلمه يعشق الأسود لا سيّما وهو يبرز بياض جسدها فيشعّ كما
مصابيح الليل الساحرة
كادت نبضات قلب مجد تتوقّف بينما يراها تمشي نحوه بغنج و تردّد وكأنّما تخشى من الصدّ وكأنّه يقدر أو حتّى يجرؤ الواقع أنّه كان لا يعلم كيف سيكسر أمامها حاجز الصدّ الذي بناه أمامها لأيّام
وليالٍ طوال وهي قد اختصرت له الطريق وبأجمل طريقة ممكنة
رائحة عطرها الذي يعشق غمرت حواسه فالتفّت حولهما بغمامة عشق ملتهبة ولكنّه رغم كلّ ذلك لم يملك إلّا أن يرميها بنظرات اللوم والعتب فلامست خدّه بأطراف أصابعها وهمست برقّة صادقة:
كنت غيرانة
أوشك الغضب على التأجّج بعينيه ولكنّها سبقته مطبقة على فمه بيدها الناعمة الدافئة فتغشي حواسه أكثر بينما تقول:
مش بإيدي هي حلوة وصغيرة رايحة جاي قدّامك بأواعيها المكشوفة المغرية وأنا أنا اتطلّع عليّ
رغما عنه فتح مجد عينيه على اتساعهما بينما يلتقط من نبرة صوتها شعورا قاتلا بالنقص فهتف بلهفة:
عم بتطلّع عم بتطلّع يا هبلة وعيني طالعة كمان من حلاوة اللي شايفه
هزّت رأسها بضعف بينما تقول:
بتقول هيك لإنّك مجبور لإنّي مرتك لإنّك مشتاق أمّا هي
قاطعها مجد قائلا:
هي اتزوجت الله يستر عليها ما بصير نجيب سيرتها هي في زيها كتير بشوف زيها كتير وأحلى منها كمان بس إنتي إنتي حبيبتي وما في زيّك وحدة إنت حسناء الحسناء
رغما عنها ابتسمت حسناء عندما سمعت كلمته كلمة اعتاد مغازلتها بها في أيّام الخطوبة وسنة الزواج الأولى كلمات نسيها كما ينسى الرجل أشياء كثيرة اعتاد أن يسعد بها زوجته لا يعود يرى أنّه مضطرٌّ لقولها
بعد العشرة الطويلة فزوجته باتت أمرا مسلّما به في حياته لا حزنها ولا غضبها ولا حتّى شوقه إليها يستحقّون منه الخروج عن المألوف:
أنا عادية انسانة باهتة كبرت وسمنت
ضحك مجد وقال:
وأنا كمان كبرت وصار عندي كرش شو يعني بطلتي تحبيني!
نظرت له وقالت بحبّ:
إنت كلّ ما بتكبر بتحلى
فداعب شعرها بقبضته الكبيرة التي تعشق:
وإنتي زي القمر بس لحتّى تصدقي كلامي لازم من جوّاكي تآمني بهالشيء حسناء حبيبتي والله العظيم بحبّك وما في أي انسانة بالدنيا ممكن تحتل مكانك بقلبي ولا تكون بعيوني أحلى منّك يا هبلة
ابتسمت حسناء بسعادة والدموع تغرق عينيها وهمست:
بتعرف من متى ما حكيتلي إيّاها؟
كل مرة أنا اللي بقولها وإنتي مرّة بتقولي وأنا كمان وعشرة لأ من زماااان ما بادرت فيها إنت بعّدت وأنا أنا فكّرت
قاطعها ممازحا:
عشان هيك دائما بحكيلك خلّي التفكير إلي والباقي عليك
نظراتها الحانقة الغاضبة أثارت قهقهته فاحتضنها قائلا:
لا تزعلي حبيبتي أنا والله بحبّك بس الزلام هيك كل فترة لازم تذكريهم بالأقوال لإنهم بفضلوا الأفعال
نظرت له حسناء بطرف عينها وقالت بعتب لذيذ:
عشان هيك هاجرني كل هالمدّة!
نظر لها حينها مجد بعتب أقوى وقال:
عشان تتعلمي مرة تانية ما تعيديها وتتركي البيت وعالعموم أنا آسف يا ستّي وبوعدك خلال أسبوع بسّ أعوضلك الفترة اللي مضت كلها
نظرت له حينها بسعادة غافلة عن معانيه الحرفية:
عنجد مجد
فهجم عليها بقبلة شغوفة مؤلمة بقدر ما فيها من اشتياق وحبّ وحاجة قد كتمها طويلا ليقول بعدها:
عنجد يا روح مجد وابدي عدّي احصي من هلّأ!
مرتطمان بأرض الواقع الصلبة حطّت بهما غمامة الزفاف الوردية فوجدا نفسيهما وحيدان بغرفة فخمة في أحد أفخم فنادق عمّان يقفان وجها لوجه ينظر إليها وتنظر إلى الأرض وكم بدت له فيها حينها صغيرة يتيمة و
جميلة
كلماتها في تلك الليلة لا زالت تضجّ في دماغه كلّ يوم تلك الصورة المؤلمة بتفاصيلها تقضّ مضجعه ألما أمّا تلك الصفعة التي وجّهتها إليه فلا ينكر أنّها ارتطمت بقلبه فأوجعته ولا يملك إلّا أن يتساءل
كلّما نظر إليها أكانت لتتركه؟
لا يهمّ ذكّر عمر نفسه المهم أنّها معه الآن هي له ولن يستطيع أيّ أحد انتزاعها منه بعد اليوم وهو بإذن الله سينسيها كلّ الألم سينسيها يُتمها والأهم سيمحو تلك الخيبة التي تكلّل محيّاها الآن
وذلك الخجل الذي تداريه عنه
أمسك عمر وجهها بكلّ رقّة ورفعه متأمّلا تفاصيلها الرقيقة الخلّابة ليهمس بانبهار:
سبحان الذي خلقك
احمرّت وجنتي رحيق وابتدأ نبضات قلبها بالتسارع وسرعان ما ذكّرت نفسها أنّ خجلها هذا زائف ولا يليق فالليلة هي ليست عروس ولا يحقّ لها الدلال وهكذا وبلحظة امتلأت عينيها بالدموع وعاودت النظر للأرض فيبادر هو
برفع وجهها من جديد ويهمس لها قائلا:
ليش مصرّة تحرميني من عيونك الحلوة
همست حينها متسائلة كما طفلة صغيرة:
أنا حلوة؟
ضحك حينها عمر بتفاجؤ وقال لها بصدق:
رحيق إنتي أحلى وحدة شفتها بحياتي سامحيني إنّي ما بعرف أغازلك سامحيني لإنّي لإنّي بستحي وبرتبك وما بعرف شو أحكي بس والله والله إنت حلوة وبتجنني وبعمري بعمري ما تخيّلت مرتي تكون بهالجمال ولااا بتحكيلي
ابن عمييي وتقبر قلبي كمان!
قالها عمر بطرييقة مضحكة مقلّدا إيّاها فابتسمت تلقائيا لتخفت ابتسامتها من جديد وتقول بخيبة وخجل:
عمر على فكرة إنت مو مضطر تقلّلي كل هالكلام.
هالحكي الحلو بليق بعروس
حينها كاد الجنون يضرب بمعاقل قلبه وقال لها ناهرا إيّاها:
ليش إنتي شوووو
هزّت رأسها وقالت بخجل:
أنا ولا مرة حلمت إنّي ألبس هالفستان وقت زوّجنا بابا اعتبرت هو عرسنا كنت شوف العرايس وقول نيّالن بس وقت اتزكرك احمد الله انّه رزقني فيك كنت دائما اعتبر حالي مرتك بس
توقفت رحيق عن الكلام ونظرت إلى البعيد حائرة بكلماتها العالقة بروحها فشجّعها هو قائلا:
بس شو؟
نظرت له وتنهّدت قبل أن تكمل:
وقت صارت الخطبة صدّقت إنّي مخطوبة ووقت بلّشنا نحكي عن العرس صرت فكّر فيه وكمان صدّقت إنّي عروس صرت اتخيّل هالليلة ونسيت نسيت إنّا فعلا متزوجين ومت تزكّرت هالشي إلّا بهداك اليوم لهيك لهيك هالفستان
ما بيلبقلي هالفستان مجرّد.
قاطعها حينها عمر هاتفا بقهر:
هالفستان فستان عروس وإنتي أحلى عروس أنا والله والله ما بعرف شو صارلي هداك اليوم يا رحيق أنا بعدت عنّك لأحميكي بس والله كلماتك كانت جارحة ما كان بدّي هيك بس ما قدرت أوقف أنا
بحبّك وإنتي حلوة يا رحيق وأنا زلمة مش قدّيس!
أجابته حينها بخجل ودموعها تنهمر من عينيها:
أنا مو زعلانة منّك أنا زعلانة من حالي كان نفسي أفرحك بهاليوم
ابتسم حينها عمر بذهول وقال:
ومين حكى إنّي مش مبسوط والله أنا طاير من الفرح وما في إشي مزعلني غير الحزن اللي معبّي عيونك
تأمّلته رحيق ترى الصدق في عيونه وقالت باستغراب:
بس بس أنا هلأ عادي يعني إنت ما راح تنبسط
حينها مشتاقا ملهوفا مشفقا على قسوة أفكارها وبراءتها أحذها بين ذراعيه وقبّلها قبّلها كما لو كانت القبلة الأولى غارقا فيها بالكامل ليتركها لاهثا ويهمس لها بصوت متقطّع مرتجف:
دلّيني بس على إشي واحد عادي بهالبوسة شوفيني رحيق حطّي ضعي إيدك هون وخبريني شو العادي بدقات قلبي
منفّذا أمره أمسك عمر يدها المرتعشة ووضعها على قلبه فيباغتها عنف النبضات وتذهلها ارتجافة جسده فتبتسم بأمل وفجأة شهقت فعمر أمسك بيدها وخرج بها من الغرفة إلى الممر ونظر لعينيها بشقاوة غريبة عليه ليحملها فجأة
وعلى حين غرّة ويدخل بها الغرفة من جديد بكلّ رقّة ويهمس بشوق:
بسرعة يا عروس خلّينا نصلّي ونلحّق الليل والصبح والعمر كلّله
حينها همست بنعومة:
عوووووماااار
↚
فضحك مرتجفا وقال:
كمان عووومااار زي هاي راح ألغي فقرات كتير وأدخل بالموضوع على طول يا روح عوووماااار
قهقهة ناعمة فقط كانت إجابتها تبعتها همسة ناعمة منه
بحبّك.
في غرفة أخرى مجاورة كانت زوزو تقف أمام زوجها بتحفّز تناظره في كلّ حين من طرف عينها تراقب حركاته وسكناته وكلّما اقترب منها تنكمش حول نفسها وتحتدّ نظراتها كما قطّة شرسة
غير غافل عنها كان يوسف يتعمّد استفزازها يشحذ قوّتها يستمتع بمرآها ولكم كانت تبدو شهيّة مذهلة و.
لذيذة بالضبط كما اسمها وهكذا وعند هذه الفكرة احترقت حبال صبره بنيران شوقه فاقترب منها وأمسك بيديها وقرّبهما من شفتيه مقبّلا إيّاهما برقّة وكم رقّ قلبه لارتعاشهما فسألها هامسا:
خايفة؟
حينها وكأنّما أهانها أجابته بثقة مضحكة تناقض ضعفها الواضح:
لأ يعني ليش بدي أخاف أنا دكتورة وفاهمة كل شي!
حاول يوسف كتم ضحكته وقال مدّعيا الاهتمام:
والله فاهمة كل شي؟
فنظرت له زاكية باستعلاء وقالت باستخفاف:
طبعا!
فرسم حينها هو علامات توتّر على وجهه وقال برجاء مضحك:
طيب بالله عليكي اشرحيلي خفت أسأل اخواني يضحكوا علي!
بصدمة رمقته زاكية قبل أن تدرك أنّه يمازحها فقالت بتأفّف:
أف منّك يا يوسف
فقهقه وبدّأ يفرك ذراعيها وسألها باهتمام:
طالما فاهمة ومش خايفة لشو هالرعشة
فهمست بتوتّر ولمساته الحانية تلامس قلبها فينتفض له:
بردانه
فاقترب منها بخبث واحتضنها قائلا:
بس هيك؟
ما خسا البرد يا عمري هلأ أنا بدفّيكي
تململت زوزو بذراعيه وقالت:
بكفّي توطّي التكييف يا عمري
قالتها زوزو مقلّدة إيّاه فهمس لعينيها متسائلا بفرحة:
عنجد أنا عمرك؟
سؤاله باغتها فطرفت بعينيها وحرّكت شفتيها ولم تقل شيئا فأكمل همسه:
طيب ما بدّك تقوليلي الكلمة اللي قلتيها بالعرس
نظرت له بارتباك مدّعية الغباء وقالت:
أي كلمة؟
ضحك يوسف وقال:
طيّب اذا ما حكيتيها هلأ بالزوء راح تحكيها بعد شوي بالغصب
ما ان أنهى جملته حتّى همّ بحملها فابتعدت عنه زاكية بسرعة وقالت على عجل:
ما بدنا نصلّي؟
فضرب حينها يوسف على رأسه وقال:
أخخخ نسيت والله!
بعد حوالي نصف ساعة خلعت زوزو ملابس الصلاة تحاول أن تداري خجلها من قميص نومها الأبيض المشكوف الذي كانت ترتديه بينما تشعر بقلبها يكاد يقفز من صدرها من شدّة القرع على جدرانه المسكينة
شهقة قوية خرجت منها عندما شعرت بلمسته على طرف مبذلها الحريري بينما يقول ممازحا:
هاد ليش لابستيه ما إله حاجة خلّينا نعرف نشوف!
فقالت بسرعة بينما تخطف المبذل من يده وتقول:
أنا جوعانة
فقال غامزا:
وأنا كمان جوعااان
حدجته زاكية بنظرتها وقالت:
يوووسف أنا جوعانة جد يعني بدي أكل
فقال يدّعي البراءة:
وأنا كمان بدّي أكل وين راحت أفكارك يا منحرفة!
تضرّجت وجنتي زاكية حينها فقال بينما يمسك كفّها ويجرّها وراءه:
هلأ شوي وأحلى عشا بيكون عنّا
فقالت له وقد بدأت تطمئن:
جد يوسف؟
فحملها قائلا:
جد يا روح يوسف بس مش هلّأ هلّأ في مشوار بدّي آخدك عليه أوّل
مضطربة سألته زوزو:
وين؟
فضحك قائلا:
على مدينة الملاهي مدينة الألعاب بدي ألعبك ألعاب حلوة
فضربته باعتراض وقالت بغضب:
والعشا؟
فأجابها مقهقها بينما يرميها على السرير:
بين الركلات الترجيحية يا عمري
وهكذا وبعد وقت غير معلوم شعرته طويلا وأراده بلا نهاية لم تنفعها فيه لا ترجّياتها ولا حتّى اعترافات الحبّ المُبتَزّة والمبتلعة في عمق فمه صمتت الآهات وانتهت التأوهات وتباطأت دقّات القلوب فارتمى بجانبها مبتسما راضيا
فاردا ذراعيه بسعادة بينما ينطق من عمق قلبه
+
هيييييييييييييح
قراءة ممتعة.
يتبع
الثامن والعشرين من هنا
كمّل عندما يعشقون صغارا في تطبيق حكايتنا حكاية براحتك
حمّل تطبيق حكايتنا حكاية الآن وتابع بقية فصول رواية عندما يعشقون صغارا بسهولة وبدون انقطاع، مع إشعارات فورية بكل فصل جديد.
قراءة رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم نيفين ابو غنيم
إذا كنت تظن أن القصة هادئة… رواية عندما يعشقون صغارا تخفي عاصفة قريبة!
جميع فصول عندما يعشقون صغارا بدون نقص
رواية عندما يعشقون صغارا كاملة قراءة مباشرة بدون تعقيد.
أقوى روايات نيفين ابو غنيم
اقرأ جميع روايات نيفين ابو غنيم أون لاين بدون حذف.