📁 آحدث المقالات

رواية شظايا ثمينة الفصل الخامس 5 كاملة | بقلم ايمان قنديل

رواية شظايا ثمينة الفصل الخامس 5 كاملة | بقلم ايمان قنديل

تم تحديث الفصل بتاريخ 15 مارس 2026

رواية شظايا ثمينة الفصل الخامس 5 كاملة | بقلم ايمان قنديل
5- جزمة حمرا!
بعض الذكريات نتذكرها تلفها الأحزان، يمكنك أن تقسم أن هذا اليوم كان غائم أو أن الاضاءة بمكان تلك الذكرى كانت معطوبة أو أنه كان يحفها الظلام، وبعض الذكريات عندما تهل عليك أطرافها توشك أن تغمض عيناك من جمال إشراقها وكأنها مزدانة بالاضواء بل وتكاد تري بعيناك يرعات مضيئة تطوف بين ثنايا الذكرى، فيتهلل بها وجهك وتتبسم ويتوغل دفئ لطيف يدغدغ قلبك.
عندما سألته زهرة عن ذكريات رقية، لم تبذل أي جهد لاقناعه حتى ليتكلم، كان هو من بدأ وحده بلا أي ضغوطات ولا حتى أسئلة منها، بدأ يسرد ويسهب ويصف بلا عوالق، فكان حديثه مليء بالتفاصيل الصغيرة التي  كانت تتمرد على قلبه لتخرج للعلن، وها قد خرجت أخيرا.
في منتصف شهر ديسمبر، في طقس ماطر وعاصف، لم تتوقف السماء عن اكرام الأرض مطرا من بداية ساعات الصباح وحتى المساء، باختصار كان يوما شتويا سكندريا بجدارة.
كان الوقت ظهرا، أو بعد الظهر بقليل،في منزل مكون من طابقين، طابق سفلي مفتوح ذا غرف قليلة، وطابق علوي منفصل بخدماته وبينهما سلم داخلي فقط.
في غرفة من غرف الطابق السفلي، لُفّت سجادة الصلاة من على الأرض، بعد صلى كريم وتحرك مسرعا يحملها بدون وعي، متجها للطاولة القريبة القابع عليها هاتفه الذي قد بدأ بالرنين بالحاح ودون توقف، وضع سجادة الصلاة على الاريكة ورفع الهاتف ناظرا لاسم المتصل وتنهد بضيق.
سهيل كان اسم هذا الشخص عندما يكون فى جهة المتصل انذار بأمر كارثي قد حدث، إما له طالبا للمساعدة، وإما للعمل وأيضا طلبا للحل!
مرر يده على شعره واستند جالسا على ظهر الاريكة الزرقاء فى حجرة معيشته، زفر ورفع الهاتف على أذنه بحذر وكأنه يرجو أن يختفي الهاتف والمتصل بمشاكله، ولكن ماذا عساه يفعل إن احتاج صديق العمر للغوث إلا أن يمد يده وينتشله، حتى ولو كان ذاك الصديق مشاغب، سيء المعشر، ملم لكل ما هو مؤذ وقذر!
اتاه صوت سهيل يتحدث بفكاهة كعادته:
كيميز أبو الكرم، حبيبي، أحوالك إيه ؟
تنهد كريم وقد علم أن تلك البداية تعنى أن الحادث يخص العمل! فرد عليه برتابة:
تمام!  ايه اللى حصل عندك؟
-حاجة بسيطة خالص يعنى مش محتاجة قلق!
-لو كانت بسيطة خالص مكنتش هتتصل كتير كدة يا سهيل! انجز ايه اللي حصل؟!
-اديك قلتها أهو! اتصلت كتير وأنت اللى لاطعني يرضيك كدة؟
-يا سيدي ولا لاطعك ولا حاجة، ما انت برضو اللى متصل فى وقت الصلاة !
-أوبا، عم الشيخ بقا!
-ومالو هو أنا أطول! وبعدين قلتلك تبطل الطريقة دي، عشان منظرك بيبقى بايخ أوي لما بتتسك كل مرة!
- خلاص يا سيدنا حرما،  ومتزوقش كدة!
-جمعا ان شاء الله، ها احكي وخف لف ودوران!
-همم! بص مشكلة بسيطة فى توريد الطلبات في فرعين الرمل وبحري، يعنى الخضار مش زي ما انت طلبتها، والاسعار مش مظبوطة، كمان السمك مش فريش ومظنش يتخزن لبكرة حتى!
-وده حصل ازاي يعني؟  انا متفق مع المورد بنفسي، ازاي اتبدل اللى اتفقـ...  اوف،  تمام، تمام! انا جايلك استنى!!
-واخيرا اتحلت!  تمام يا حبيبي، اعذرني انا بقا عندي مشوار مهم،  وممكن عقبال ما تيجي متلاقينيش!
-لكن المشكلة فى فرعين يا سهيل! هحلها ازاي لوحدي يابني!
-معلش يا حبيبي، المعاد ده ضروري اوى وكنت مستنيه بقالى فترة، وبعدين انت قدها يا معلم!
-بس يا سهيل أنا كمان محتاج ايد معايا مش هعرف الم الدنيا بسرعة كدة!
-معلش يا صاحبي، أنا كنت مستنى الفرصة دي واخيرا جاتلى وأنت عارف اخوك قليل أوي ما حاحة بتفرحه سامحنى أنا محتاجها جدا،  بس أنا ممكن اتصل والغيها عادي، طالما أنت عايز كدة متقلقش،  وهقعد مستنيك خلاص!
-لأ!  أنا مقصدتش إنك تلغي خالص ولا قصدي احرمك من حاجة بتسعدك ابدا يابني انت بتقول ايه!
-طبعا يا حبيبي عارف إنك متقصدش ده، بس لو عايزني الغي هلغى طبعا،  أنت عارف غلاوتك عندي، دا انت محدش بيفهمنى ولا بيتحملنى زيك،  وأنت الوحيد اللى مونسني وباقيلي بعد ما أهلي سافروا وسابوني!
أنا مليش غيرك يا كريم!
-عارف يا سهيل متقلقش وروح مشوارك، وانا هحلها ولا يهمك!
-حقيقي! ده أنت ملاك يا واد يا كيميز !  ولا تشغل بالك بالبيت التانى، أنا همر عليهم واشوف ماما وچيلي محتاجين إيه وهعملهولهم، ماشي يا صاحبي!  يللا سلام دلوقتى!
وتماما كتمريرة سريعة تمرر بها الكرة بخفة، مررت المشكلة وسقطت فى حِجر كريم، الذي ظل يناظر الهاتف لثوان بوجه واجم، ذلك الأحمق الذى حتى لم يتنظر منه رد فقط أغلق عندما أتمّ ما أراده وغادر!
تحرك ذاهبا لغرفته في نفس الطابق ليختار أكثر ثيابه سماكة ودفئا، غير منتبه لأي تفاصيل فقط فليرتدي ما يظهر لائق لمن يراه ودافئا لمن يرتديه، اختار معطف أسود سميك كبطانية جندي روسي، وسروال ازرق داكن وحذاء أسود مرتفع العنق عله يحمي قدماه من الركض بين برك المطر المنهمر على الارصفة، ولم ينسى أن يسحب مظلته السوداء ذات المقبض والرباط السميك معه.
♕_______________________♕
بعد بضع ساعات، قبل نهاية ساعات العصر، بالتحديد منطقة الرمل، حيث كان يركض كريم رافعا مغلف بلاستيكي فوق رأسه يقيه انهمار الأمطار الشديد، وبالفعل قد نسي حمل المظلة معه وتركها مُكرمة بداخل السيارة تسرعا منه ليبلغ المكان التالي قبل مغادرة التاجر منه.
ركض يتأفأف من السبب الذي أجبره على مغادرة منزله ليُحبس في تلك المنطقة جيئة وذهابا بين عنوانين لحل أزمة قد طرأت بلا سبب مقنع حتى!
فتح باب سيارته وجلس خلف مقودها، أدارها وانطلق بسير سريع لنقطته التالية الى منطقة بحري، متجاوزا طريق الكورنيش المتوقف بسبب سيول المطر إلى طريق جانبي موازي له عله يصل فى الوقت المناسب!
فى تلك الأثناء في مكان ما على الطريق الجانبي في منطقة الرمل، نزلت فتاة لطيفة الملامح خمرية البشرة، ذات وجه بيضاوي، وعيون بنية واسعة يزينها حاجبان متوسطي السمك بلون بني ملائم لبشرتها، ترتدي معطف سميك طويل وحجاب كلاهما باللون الأسود، وتلف عنقها بشال صوفي وحذاء مرتفع أحمر اللون.
كانت تتحرك مسرعة من مدخل إحدى البنايات غير آبهه بالأمطار التي تهطل بلا توقف، تحاول إيقاف أي وسيلة نقل تمر علّها تصل لمنطقة عملها الثاني، الذي تأخرت عنه بالفعل بسبب زيارتها المفاجأة لزميلتها المصابة من عملها الأول!
ظلت تبحث فى حقيبتها عن هاتفها النقال لكن كعادتها وجدت أنها قد نسته بالفعل فى مكان ما!
الآن لا سبيل لها إلا المحاولات المستميتة لبلوغ المقر التالى الذي لا يبعد الكثير ولكن الأمطار الغزيرة والموعد الذي قارب أن يفوت عليها جعلا من السير للمكان امرا صعبا لا مجال له!
بين البحث فى حقيبتها عن الهاتف والبحث فى الطريق عن سيارات الاجرة الذي تصحّر الشارع منها،  فاجأها شاب أرعن شبيه بالضفدع شكلا وصوتا قائلا :
هي بقت بتشتي فراولة ولا ايه؟
قالها بصيغة لزجة تجعل من ابتلاعك لريقك أمرا مقرفا .
تجنبته وحاولت التحرك بعيدا، لكنه استدار حولها ووقف أمامها يغلق الطريق عليها، فاردا ذراعيه بكل فجاجة،  ما جعلها تستدير للجهة الأخرى.
لا بقت بتشتي تيران يا سخيف!
اقترب ذلك الضفدع فاتحا فاه بنقيق مزعج :
مش مهم!  اكونلك تور يا جميل وماله، طالما هتكوني بقرتي!!
تحدث بفخر لا يُعلم له مصدر،  ثم اقترب يحاول امساك ساعدها، ولا ينتوي الخير أبدا بل شر منقطع النظير، كان عازم على جرها بعيدا، لا أحد سيعلم، الشارع فارغ والمطر ينهمر بغزارة، والفتاة رقيقة نحيفة على أي حال، وحتى طولها غير شافع أمام خفة وزنها الذي تراه من رمقة عامة عليها، يكفيه استخدام ربع قوته إن جاز التعبير عن ضعفها الواضح.
هكذا تخيل من مظهرها الضئيل، لكنه اخطأ الحساب تماما، فما كان منها إلا أن بادرت هى بمسك معصمه بكلتا يديها وبحركة سريعة سمع صوت طقطقة من عظمتا الكوع والكرسوع من تلك اليد، ثم وجدها تنحني لتنزع إحدى كعوبها الحمراء هابطة بها على أعلى رأسه بضربة واحدة ثم اردفت فى حنق :
أنت ازاي يا بهيمة أنت تتجرأ وتسحبنى كدة، والله منا سايبة راسك المكعب ده الا وهو حصّالة!
وعندما رفعت يدها لتهوي بالضربة التالية، انزلق الحذاء من يدها المبتلة وطار خلفها وطار معه سلاحها وأملها فى الهرب فصرخت بيأس:
مـنـك لله يا فـريـدة،  مش قولتِ انها بتنفع فى الاوقات دي!
على بُعد بضعة أمتار كانت هناك السيارة ذات اللون النيلي الداكن، التي كان يقودها كريم  وقد لاحظ بداية اقتراب الشاب الأرعن من الفتاة ليمسك ساعدها ،بدأ يقلل من السرعة، ليحاول معرفة ماهية الموقف هل هما ثنائي أم أن الفتاة بحاجة للمساعدة!
بتعمل إيه المجنونة دي؟! ده انتِ تمـام!
فى الجانب الآخر من الطريق ووسط العراك، كانت الفتاة قد التقطت الفِردة الأخرى لتكمل ما بدأته، لكن ذلك الشاب كان قد ضرب يدها، فاسقط الحذاء بجوار اقدامها الخالية إلا من جورب أبيض قد تلطخ بوحل الشارع وصاح بغضب:
انت مفكرة انك هتهربي بقا ولا مفكرة إنك هتقدري عليا يعنى؟ انتِ عبيطة يا بت ولا ايه؟  طب واللى خلقني ما همشى من هنا إلا وانتِ معايا كبرت في دماغي ومنتش مروحة انهارده!
ختم جملته بضحكة شيطانية تنم عن نية قذرة ستفتك بها، بدأت حواسها تضطرب من شدة الارتعاب تحدث نفسها:
"اهرب ازاي !  مفيش حد اناديه والشارع فاضي!  اتصرف ازاى انا دلوقتي!"
بدأت يدها بالارتعاش ورؤيتها بدأت فى الانخفاض، علمت انها ستدخل في نوبة هلع ولن تقدر على مساعدة نفسها، لكن قالت فى نفسها بعزم:
" على الاقل هدافع لاخر نفس، حتى لو اغمى عليا في الاخر"
انحنت بسرعة وتمسكت بفردة نعلها الأحمر بكلتا يديها مزاحمة في ذلك حقيبة يدها التي تعلقها على احدى يديها، فى محاولة يائسة للتماسك والتمسك بالحياة وكأنها ستموت الآن، عندما بدأ ذلك الهمجي في الاقتراب،  بدأت تستعد كمن باع اخر آماله!
أما هو فقد تملك منه شيطانه يوسوس له بالفتك بها وبكرامتها، فالفتاة الهشة قد اغتالت رجولته واحترامه لذاته، بدأ يقترب بوجه متجهم وأعين يتطاير منها الشرر يمد يده نحوها، وهي تستعد لتكرار الهجوم علي ما سيطالها اولا أو على رأسه أيا يكن المهم انها مستعدة للدفاع!
كانت تحملق بوجهه بارتعاب، خافت حتى أن تخفض جفنها رَمْشا حتى لا تعطيه فرصة تغافل فيتمكن منها،  كانت تستعد له فأخذ في الاقتراب لشن هجومه هو الآخر.
تراه امامها يقترب وغد له وجه وكأنه قُطع من وجه قرد ممسوخ، حتى استُبدِل مشهد رأس شبيه الضفدع بمشهد صدر شاب حسن البنية يردي معطف أسود سميك للغاية، لكن هيئته البارزة تظهر حتى تحت تلال الملابس التى تلفلف بها، تخاله محترف فتون قتال أو أحد مرتادو الساحات الرياضية.
بحركة خفيفة من يده فصل كلتا كفيها عن وضع التمسك ذاك، ووضع مظلة سوداء في إحدي يديها التي تبقت بها حقيبتها، وامسك بيده الأخرى ساعد يدها التى كانت بجواره تمسك بالحذاء وامسك بيده التى فرغت من المظلة ياقة ملابس شبيه الضفدع، مع بدء توقف هطول المطر وتسلل اشعة شمس باهتة فى أرجاء المكان.
فى غضون ثوان كان ممسكا بإحدى يديه عنق ذاك الارعن وبالاخرى يد الفتاة وهي ممسكة بمظلته السوداء فى حالة عدم فهم  لما حدث للتو!
ثم استدار ملتفتا للفتاة قائلا:
أنا آسف اتأخرت عليكِ، إيه اللى بيحصل هنا؟  البقف ده ضايقك فى حاجة؟
قبل أن تنطق رد شبيه الضفدع بتوتر :
يا برنس أنا مضيقتهاش خالص! دنا كنت فاكرها محتاجة مساعدة ولا حاجة لكن أول ما كلمتها قعدت تصوت وضربتني، دنا كنت هاخدها القسم،  بس طالما كبيرها جه، خلاص المسامح كريم.
أنهى كذبه البين بمحاولة لنزع يد كريم الذي يكبره حجما بما قد يقارب الضعف، لكن محاولته باءت بالفشل!
نظر كريم  له بسخرية وأرجع بصره لها :
اسيبه يا حبيبي؟ ولا تحبي أأدِّبهولِك هنا؟!
ظهر على ملامح الفتاة بعض الخوف لكنها  قد أجرت مقارنه بسيطة، هناك شبيه الضفدع على وشك اختطافها وفى الغالب اغتصابها ايضا، وهناك رَفَعت رأسها لأعلى لترى ملامح هذا الشاب الطويل، ذا قسمات تعطى شعور بأنه شخص جيد، له عينان زرقاء هادئة، له أنف مستقيم وشعر بني مموج فك حاد، وبشرة خمرية تميل للاسمرار قليلا، وملابس تنم عن ذوق انيق مهندم، فى المجمل يبدو كشخص صالح لا يضمر شرا، أومأت برأسها تعني أتركه.
حينها نبس شبيه الضفدع فى وقت غير ملائم وقال:
تمسكني ليه بس يا باشا! أنا كنت عايز اساعدها بس صدقني!
فاستدار له كريم بوجه ممتعض وقربه من وجهه وقال بهدوء:
طب وقف كلام، وابدأ افعال، واسلك من قدامي لو  باقي على روحك، تمام؟
انهاها بابتسامة شرسة ارتعب منها الآخر ثم ترك خِناقه فركض شبيه الضفدع بعيدا يسعى، وأخيرا انتهى الكابوس عنها وتنفست الصعداء، وقبل أن تأخذ شهيقها التالي أدركت أن هذا الرجل الذي انقذها للتو لم يترك يدها بعد!
فحاولت أن تسحب يدها من يده بهدوء فوجدته متمسكا بساعدها الذي يحمل الحذاء بقوة، رفعت نظرها نحوه بتشكك، فوجدته يبتسم بإشراق لا يتناسب مع الموقف ولم تفهم سببه!
لكنها ارتعبت، هو الآن يبدو كمختل ما!
من قد يبتسم هكذا في مثل هذه الظروف!
فما كان منها إلا أن ألقت المظلة من يدها وتمسكت بحزام حقيبتها تلوحها في جميع الأرجاء بهلع تضربه بها، فانفتح غطاؤها، يسقط كافة محتوياتها فى كل مكان، منها ما يصبه ومنها مايسقط على الارض!
كان كريم قد أدرك متأخرا سبب تصرفها فترك يدها التي كان ممسكا بها بغير وعي منه، وحاول تفادي الخبطات الضعيفة وغير المجدية، ثم انحنى يلملم ما سقط أرضا قبل أن يرفع رأسه معتذرا لها، كانت قد ركضت مسرعة لأول سيارة أجرة مرت أخيرا بجانبها تاركة خلفها فِردة من حذائها الأحمر ومحتويات الحقيبة التي سقطت وهربت بالفِردة الأخرى وحقيبتها الفارغة إلا من بعض الأموال البسيطة في السَّحاب المغلق بداخلها.
وقف الشاب يحاول كتمان ضحكاته العالية التي جعلت المارة- الذين بدأوا  بالتزايد -بالنظر له كمجنون أو أحمق ما يضحك فى عرض الشارع بمفرده  حاملا حذاء نسائي أحمر!
ختم ضحكاته، ولملم باقي ما تناثر من حقيبتها، من بين تلك الممتلكات وجد محفظة جلديه بلون وردي فتحها ليجد بطاقة هوية تبدو حديثة إصدار مكتوب بها  رقية السيد الجوهري ومكتوب عنوانها التفصيلي بحي العجمي، ومن حساب العمر تبين أنها تبلغ أربع وعشرين عاما .
أدار الهوية ليستكشف أكثر ما أراد معرفته ووجده كما ظنه هي آنسة، لكن عندما وقع نظره على مسمى مهنتها استرسل في نوبة ضحك جديدة  المهنة:
مدربة فنون قتالية، ظل يضحك ويتمتم :
الحوسة دي!  وبحجمها ده؟ بالله ازاي !!
استدار يقطع الطريق ليركب سيارته وذهب كما توقع متأخرا ولم يستطع اللحاق بالتاجر!
في ذلك اليوم خسر كريم مبلغ مالي ليس قليلا أبدا، توريدات فرعين بأكملهم أتت دون المواصفات ولا يمكن تخزينها، كان أمرا مؤسفا وخسارة كبيرة،  لكنه اكتسب ضوء دافئ صغيرا كشمعة فى نفق ضيق مظلم!
-دي كانت اول مرة شوفتها فيها،  المرة التانية بقا كانـ...
قالها كريم بابتسامة شابها بعض الشجن والحزن، رأسه للخلف واغمض عيناه وكأن هذا سيعيده فى معسول الذكريات،  لكن مقاطعة زهرة له اتت تقتلعه من ذكرياته!
-استنى استنى على مِهلك شوية! كدة كتير على جلسة واحدة!  وبعدين اللى حكيته ده كان حاجة حلوة اوي!  اول مرة تتقابلوا سابتلك فردة جزمتها عشان ترجعها!  سندريلا دي ولا ايه يا جناب الامير!
قالتها زهرة باسلوب تتصنع فيه المرح
أعاد رأسه ونظر لها مضيقا عيناه وهو على وشك الانفجار غضبا، فتداركت الطرفة وابتسمت تقول بشرود تنظر تجاه منتصف صدره:
أنت عارف فى ناس تشوفها من أول مرة بتكون عارف انها مش هتكون الأخيرة!
لا وكمان بتبقى عارف ان عمرك ما هتلاقيلهم بديل مهما عشت وقابلت ناس!
أحيانا بنشوف القلوب باردة ومزرقة بتحس أن شعلتها انطفت!
الشعلة دي فتيلها ونارها في ايده هو وبس، الشخص الوحيد اللى ملوش بديل!
بددت غيوم جملتها الاخيرة ورفعت عيناها لوجهه ثم قالت بمرح تُغيِّر سير الحديث:
أنا شايفة إن فيه تطور هنا، بجد عايزة أعرف أكتر عنك وعن رقةو....
قاطعها وكأنه تصيد الفريسة أخيرا:
مين قالك الاسم ده؟!
-أي اسم!
-اللي قولتيه دلوقتي!
-ايه؟ أسمها رقية! أنت مش قلته قبل كدة!
-اه قلته بنفسي للناس بس بالنسبة لك ما قولتهوش ولا مرة!
ولما جيتِ كنت عارفاه من الأول!
فقلت يا واد تمام دكتورة شاطرة بتطقس على المرضى وتعرف عنهم اكتر!
لكن رقة أنا مقلتهوش أبدا،  انت بقا تعرفيه منين؟
-رِقة!  مين قال ده؟  أنا قلت رقية!
-دكتورة زهرة! تصرفاتك عجيبة من اول يوم، ومع ذلك قلت ده سوء ظن مني! انما دلوقتى لأ! معتقدش انه سوء ظن ولا انك طبيعية ابدا!
-انا برضو مش فاهمه انت تقصد ايه! جايز سمعت غلط عشان وحشاك مثلا؟  هو ده اسم دلعها؟
-لعبة لطيفة اللى بتلعبيها هنا دي، بس أنا مش هقع فيها تاني! عرفت منين الاسم ده؟ أنا مسمعتش غلط،  وأنتِ مقولتهوش بالغلط برضو،  أنتِ قولتيه قاصدة!
ابتسمت زهرة باتساع تلك المرة وردت بهدوء:
هممم، حاليا معنديش رد على كلامك العجيب ده،  لكن أقدر أطلب منك تتعاون وتستنى ومتاخدش أى قرار تندم عليه،  بالمناسبة جلستنا النهاردة خلصت،  اتمنى إنك تكون متشوق للجلسة الجاية!
وقبل ان يتحدث نهضت مسرعة تجاه الباب وخرجت وهي تسمع له يناديها،  بعد لحظات اعادت رأسها للداخل وكأنها نست شيء وقالت:
آه صحيح، مبارك ياجناب الامير!  وعادت مرة أخرى لتغادر.
-على ايه؟ استني! تقصدي إيه؟
جلس في مكانه لا يدري ما يفعل، لا تفسير لما حدث توا ولا تفسير لما قالته، ولاتفسير أيضا للتهنئة!
كيف لتلك الطبيبة أن تعلم ما لا يعرفه إلا هو ورِقة بنفسها، وإذا افترض أنها تعرفها وعلمت الاسم منها، أذن كيف علمت كلماتها من الحلم الذي رآه هو!
نظر لساقاه يلعن سجنه المجصص المحيط هذا! أما كانت فرصة امساكه بها افضل لو كان بلا جبيراته الثلاثة الغبية! حتى انه لا يستطيع دفع عجلات المقعد المدولب بنفسه بيد واحدة!
تنهد بلا حيلة ولا احتمال لكن لا شيء بيده غير الصبر والصبر الطويل أيضا، فما يحدث حوله لا يمكن لمتسرع فهمه ولا التناغم معه!
قاطع شروده دخول ڤيڤيان لغرفته متهللة الوجه مبتسمة، وقالت بسرور:
مبارك يا حبيبي!
رفع وجه بنظره مشدوهة، لما والدته تهنئه هي الاخرى! قبل أن ينطق قالت أمه مردفة:
الدكتور عماد قال انك ممكن تفك الجبيرة اللى على دراعك،  قال ان اصابتها كانت اخف من رجليك!  مالك يا كريم؟  فى حاجة في الجلسة ضايقتك؟
-همم؟ لأ! مفيش حاجة يا أمي، بالعكس كانت مفيدة!  مفيدة اوي!
-طب يا حبيبي،  بيتهيألي انك لازم تتغدى دلوقتى! انت مفطرتش الصبح وكمان شوية الدكتور والممرض هيعدوا علينا عشان نشوف موضوع دراعك،  هتاكل هنا ولا تروح على السرير؟
-لا هاكل هنا،   مفيش داعي نتعب الناس مرتين معايا!
كانت جملته لها وقع حزين على قلب ڤيڤيان، استدارت السيدة العجوز وقلبها يؤكل قهرا على ابنها، لملمت نظرات الأسى وخرجت من الغرفة حتى لا يرها وتزيده الم على جبال الالم المحملة على قلبه أكثر!
فـكريم ابنها لم يكن أبدا شخص اتكالي، بل لم يكن يوما شخصا كسولا، كان يومه دائما يبدأ مع الفجر، له روتين خاص لا يكسره بتاتا، له عادات لا يقطعها مطلقا، كانت صحته ورياضاته الأولوية التالية بعدها هي كأمه وصلاته التي لم يؤخرها لا بمرض ولا وهن.
مفهوم أنه أصبح لا يتحرك، بل ويحتاج من يوجهه في جلساته!
هذا شيء يصعب تخيله لشخص كان ينبع بالحيوية والحركة،بالطبع اهتمامه المبالغ بالرياضة وبصحته كان له سبب غير سطحي أبدا، لكنه أعطاه مظهرا جيدا، وقوة لابأس بها وصحة أنقذته من بعض المضاعفات!
بعد سويعات قليلة كانا قد انتهيا من الغداء واستعدا للذهاب لغرفة الأشعة، مع وصول الممرض والطبيب عماد الذي كان مرحا كعكس عادته البائسة الساخرة!
عندما خرجوا من الغرفة وبدأ الحديث فى كل المواضيع التى لم يسمع كريم منها أي شيء، فقط في تفكيرة تلك الـزهرة العجيبة!
من أين أتت؟ ولما أتت إليه؟ وكيف تعلم ما تعلمه؟ ولما كل تلك الثقة! فواتته الفرصة ورفع رأسه تجاه الطبيب وسأله:
بقولك يا دكتور! الدكتورة زهرة دي بتشتغل فين فى العادي؟
-دكتورة زهرة مش من دكاترة المستشفى،  هي جت هنا من كام اسبوع كدة،  انت عارف! جت بعد ما انت فقت بيوم ولا اتنين!
-طب هي جت ليه؟  ومنين اصلا؟
- بص  هي جت من ايطاليا،  اساس شغلها مش فى مصر الا لو جت زيارة كدة كل فترة، بس متقلقش سمعتها زي الطبل فى علاج الصدمات.
-لا انا مش قلقان خالص،  كمل كلامك يا دوك!  جت ليه بقا؟
بص جت ليه دي معرفش جوابها بالظبط،  هي قالت جاية تقعد كام شهر عشان حاجة طارئة! لكن دي مش أول مرة ليها هنا كمان!  فى حاجة معينه أنت عايز تعرفها يا كريم؟
-همم! لا، كل حاجة تمام.
أجاب بها من شروده، تلك المعلومات التي تبدو أكثر من عادية، لا معلومة قالها الطبيب عماد تمكِّنه من إمساك خيط واحد ضدها، أي طبيب بالخارج يمكنه الولوج لمشفا خاص والعمل به لبضعة أشهر ثم السفر مجددا.
كانت دواخله تضج بضوضاء لو وزعت على سكان الكرة الأرضية لأصمتهم من طنينها البشع، مئات الأسئلة بلا أجوبة،  عشرات الافتراضات غير الواضحة، وماذا سيحدث إذا انفعل أو صرخ الآن؟
سيندم!
أليس كذلك؟
سيعامل كمريض كما السابق!
أفكاره تبدو متشابكة بالفعل، لكن عندما تعمق وجد أن هناك شيء واحد يظهر من بين ضباب ما حوله،  كلمات رقية! فغاص في التفكير يناجى عقله ومنطقه:
"هي قالتلى ايه!  اتعاون واستنى وماخدش قرارات،  طب اتعاونت مع العلاج، وظهرت زهرة وكلامها مبين انها على الأقل مصدقاني!
واستنى!  استناها يعني مش مشكلة مش هيضايقنى لو استنيت طالما هتيجي كله هيبقى تمام!
طب لو مجتش؟  لا ده احتمال غبي مش هفكر فيه!
ايه تانى؟
آه!
الندم؟
كانت تقصد ايه؟
مثلا العصبية او انى ارفض اللى بيحصل؟
ولا حاجة تانية؟
حتى لو كان هو ومطلوب مني اسايرهم!
انا المستفيد هنا!
نسايرهم لحد ما الاقيها او هي تلاقيني مش مهم!
!
"
حديث بسيط مع نفسه أشعل تلك الفتيلة المنطفئة القابعة في منتصف صدره، شعلة أمسكها أسم واحد فقط رِقة كما يحب أن يناديها هو!
بعد بِضع دقائق وفي غرفة الفحص، نتيجة الاشعة كانت بالفعل فى صالح فك الجبيرة، لقد التئم الشرخ في ذراعه، وفقط سيحتاج بضع دورات علاج طبيعي وحمالة لاسبوعين وبعدها يعود ذراعه لسابق عهده، انهاها عماد بجمل تفصيلية لكافة اصاباته:
-مبروك يا كريم، دلوقتى دراعك بقا حر زي ما كنت بتقول!
بالنسبة لرجليك، بدري عليها شوية نفك الجبس!
ممكن اسبوعين كدة،  بس برضو هتحتاج عكاز عشان متحمّلش عليها جامد وتلم بسرعة،  واحمد ربنا انك كنت واخد بالك من نفسك،  ده سهل علينا حاجات كتير ابسطها المضاعفات،  ها بقا يا بطل عايز تسأل على اى حاجة؟
-لا! لا مفيش حاجة، شكرا يا دوك!
كانت تلك المرة الأولى التى يبتسم فيها للطبيب، بل والمرة الأولى التى لا يعامله كجاسوس لدولة معادية، كان الأمربمثابة فك القيد الأول عنه، اعتبار لا يخفى عل اقل عامل بالمشفى!
تنهد الطبيب وانشغل فى احاديثه مع ڤيڤيان بين شكر وتهنئة، كان فى وقتها كريم بداخل عقله يتخذ قراراته الهادئة،  الانتظار فقط الانتظار!
بعد عدة دقائق وصل كريم ووالدته للغرفة، وُضِع كالعادة على سريره بمساعدة الممرض، واقتربت ڤيڤيان منه تجلس على المقعد الذي كانت تستخدمه زهرة سابقا، ووضعت عكازها بجوارها ثم وضعت كفاها على ساقاها، فتحسست ما قد وضعته منذ بعض الوقت بجيبها، أخرجتها ثم تذكرت ماهيتها فقالت بتساؤل:
كريم يا حبيبي،  هي دي بتاعتك؟
-هى ايه؟
فنهضت من مكانها نحوه ووضعتها فى كفه، وفور أن وقعت عيناه عليها حتى رفع عيناه بلهفة تجاه والدته وقال بصوت لم يضبط لا سرعته ولا درجة ارتفاعه:
جيبتيها منين دي يا امي؟  مين ادهالك؟
وجلت قليلا لكنها أجابت سؤاله المتلهف:
واحدة من المساعدين لقيتها الصبح وقعت من سريرك!  هي الدلاية دي مهمة يعنى؟
-مهمة! مهمة أوي! بقا في أمل وفيه أرض أخيرا تحت رجليا  يا أمي!  فيه امل أخيرا!
يتبع.....
يه توقعاتكم لحد دلوقتي؟
رقية حقيقة ولا لأ؟
وايه رايكم فى اول مقابلة بينهم؟
السادس من هنا
قراءة رواية شظايا ثمينة الفصل السادس 6 كاملة | بقلم ايمان قنديل

أكمل قراءة رواية شظايا ثمينة الفصل الخامس 5 كاملة الآن من خلال الفصل التالي.

اقرأ جميع فصول شظايا ثمينة الآن

رواية شظايا ثمينة كاملة بروابط واضحة وسريعة الاستجابة.

حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
0
SHARES
📲 تحميل تطبيق حكايتنا حكاية