رواية شظايا ثمينة الفصل الثالث 3 كاملة | بقلم ايمان قنديل
تم تحديث الفصل بتاريخ 15 مارس 2026
3- علاج باللـكْـ!
الزهد والصمت كلامهما وجهان للركود، راكد حالك لا تغيير فيه، لاتقوى على الحِراك، لا تقوى على الشرح أو الطرح، لا تملك لمحيطك أدنى اهتمام أو فضول!
زهد يكسو ملامحك، يكسو مسامعك ويكسو أفعالك إن أنت فعلتها، ميت حي لا يشارك البشر الا النظرات القليلة، هي حال يراها الباحث عن راحة باله رضا... رضاك انت عن حالك! وحاشاها أن تكون كذلك!
ركود لايفارق الملامح لا يفارق المشاعر ولا يفارق التعبيرات، كل ما يمكنك استخدامه في التواصل خارج عن نطاق الشغف!
كان هذا هو حاله، رجل ضاعت منه زوجته بين ليلة وضحاها، ضاعت منه حياته التي ألفها، لم يعد يريد أى وصال مع تلك الحياة التي حُشر فيها بطريقة ما!
مرت عدة أيام وهو على حاله، راكد كبرك الماء بعد المطر ، لا هواء يمر فيحرك له جفن ولا كلمة حلوة فتفتح له ثغر، فقط يناظر النافذة الكبيرة في غرفته في الصباح ويحملق بالسقف فوق سريره في المساء ،لا يرد ولا يجيب ناهيك عن ابداء طلب او سؤال!
بعد عدة أيام من ابتدائه حالة الصمت تلك، كان القلق قد فتك بقلب أمه فتنازلت عن عجرفة الأمهات الممانعات لللعلاج عند الطبيب النفسي وأخرجت بطاقة تعريف الطبيبة من محفظتها وأخذت تناظر الاسم والرقم، ثم تواصلت معها، فأخبرتها بمكان مكتبها لتقابلها على انفراد لاستشارتها!
♕_______________________♕
في ظهر ذلك اليوم التجأت ڤيڤيان لطبيبة صغيرة السن ماهرة فى مجالها، تحركت ببطئ فى ممر الغرف وأخذت تمرر عيناها على الاسماء المدونة على أبواب الغرف فى قسم الصحة النفسية حتى وقعت عيناها على مطلبها أخيرا، رقعة ذهبية تبدو حديثة التعليق على الحائط كتب عليها بخط أسود أسم الطبيبة زهرة رامي.
طرقت الباب المفتوح ودلفت قبل أن تسمع من يأذن لها بالدخول، فرأت فتاة لا شيء عربي بها إلا لسانها الذي كان يُسهب بنبرة غاضبة:
أيوة وقول للبني آدم المنحرف ده إني مش راجعة قبل ما أخلص اللى ورايا هنا، أقفل دلوقتي بقا!
اغلقت هاتفها بحرج والتفتت للسيدة ڤيڤيان وقالت:
حضرتك السِت ڤيڤيان مش كدة؟ آسفة كان معايا مكالمة مش مهمة اتفضلي اقعدي!
ابتسمت ڤيڤيان بتوتر وأومأت بتحية بسيطة، ثم جلست تتأمل ملامح الفتاة وتسمع صوتها الذي يبدو كصوت مركب على شكلها، بشرة بيضاء وعيون زرقاء وشعر تخالطه حمرة على استحياء مع لون كستنائي طاغي، فابتسمت زهرة وقد ألفت رد الفعل هذا حقا وقالت ببساطة :
آه! ماما مش مصرية بس بابا مصري، قالولي اني شبهها عشان كدة ملامحي غريبة شوية.
حديثها زاد توتر ڤيڤيان واحراجها فتحمحمت وقالت:
آسفة يا بنتي، فضلت بصالك ونسيت ان ده كان بيضايقني اول ما جيت مصر برضو! أصل انا كمان مش مصرية أنا أصولي شركسية وجيت هنا مع أبو كريم بعد جوازنا في روسيا!
ابتسمت زهرة وردت بعملية اعتادتها في بلاد أمها:
لأ حضرتك متعتذريش خالص! طبعا حضرتك جيتي انهاردة عشان موضوع كريم مش كدة؟!
ابتسمت ڤيڤيان وأومأت وبدأت بسرد ما يحصل مع كريم ابتداء من لحظة استفاقته حتى لحظتهم هذه، لم يظهر على زهرة أي تفاجؤ بل على العكس ظلت تدفن وجهها في دفتر ملاحظاتها فقط ترفع إحدى يداها لتعدّل نظاراتها الطبية.
بعد ان انهت ڤيڤيان قصة ابنها كريم رفعت زهرة عيناها اخيرا تجاهها وقالت بكلمات منتقاة بسيطة:
بيتهيألي لازم أشوفه الأول!
فقالت ڤيڤيان:
لا أنا خايفة ينفعل وينهار تاني يابنتى! بصي قوليلي أنا ممكن أعمل إيه وأنا هعمله لوحدي!
ظلت زهرة تراقب ڤيڤيان لبرهة وقالت مبتسمة:
بصي يا سِت ڤيڤيان، أنا فاهمة كويس إنك قلقانة انه يرفض العلاج معايا! إيه رأيك لو شفته من غير ما يعرف إني دكتورة نفسية؟ يعني ادخل الأوضة كدكتورة عادية أو ممرضة مثلا!
صمتت لبرهة تدون شيء ثم أكملت:
أنا كمان شايفة انه محتاج يخرج برة أوضته شوية، من اللى اتحكالي هو بيفكر إن الجبس مكتّفه فأكيد شايف إن الأوضة سجن قافل عليه!
إيه رايك يا سِت ڤيڤيان تقترحي عليه انهم ينزلوه في جنينة المستشفى!
ابتسمت ڤيڤيان بتكلف وقالت:
بجد ممكن يخرج برة الأوضة؟ وده هيفيده يعني؟
رفعت زهرة خصلة من شعرها قد تبعثرت بسبب نزعها لمنظارها الطبي وقالت ببساطة كعادة ردودها:
طبعا لأ مش هيفيده! لكن هيفيدني أنا!
نظرت لها ڤيڤيان باستنكار وقد بيتت الرد بالرفض، لكن زهرة سبقتها وقالت:
وقتها هقدر احدد طريقة علاجه، وممكن جدا وقتها ميكونش محتاج علاج نفسي كمان!!
كانت جملتها الاخيرة تشبه الطعم فلعبت بها زهرة على وتر ڤيڤيان العازف ، فاشرق وجه ڤيڤيان لكلمات زهرة ووافقتها على تلك الخطة البسيطة عساه حقا لا يحتاج لذلك العلاج!
بعد ان انهت حوارها مع زهرة اخذت تمرر الكلمات بتردد ولكن حال ابنها كانت حقا لا تحتمل!
بعد سويعات قليلة وفي عصر هذا اليوم بالتحديد، خرجت أمه ڤيڤيان من الحجرة بعد حوار طويل بلا رد منه، واتصلت بزهرة تخبرها باستعدادها لبدء تلك الخطة حالا!
بعدها بلحظات اتته والدته وخلفها ممرضان مصاحبان لها، أحدهما هو زهرة التي وقفت تراقب بلا هوادة.
دلفت ڤيڤيان من باب الغرفة قبلهم وهي تقول :
كريم يا حبيبي، استأذنتلك الدكتور عشان تقعد برة شوية في الهوا شوية!
إيه رأيك يا حبيبي تطلع للجنينة تشم هوا او تغير جو برة، انت بتحب تتفرج على الغروب مش كدة؟ إيه رأيك؟ بص حتى الدكتور بعت معانا الكرسي ده!
لف رأسه ناظرا لها بملامح خاوية لا ألم ولا فرح ولا انفعال، لا شيء يعلو وجهه سوا قسماته المهذبة فقط، ثم نقل نظره للمقعد ونظر لساقيه وقال بنبرة جليدية لا يصاحبها انفعال رمش:
بتقولي إيه يا أمي؟
!
انا أصلا مش بالع إن رجليا مكسورة ولا حتى عندي فضول اعرف فيه إيه برة!
أنا ساكت بس عشان مستني اشوف اخركم ايه في الفيلم ده!
وبلغيها إني مش مسامحها في اللي عملتوه فيا ده ده لو هي لسة مهتمة وبتسأل!
!
ثم أعاد نظراته البادرة مجددا كما كانت تناظر خارج النافذة كعصفور يرثي حريته المسلوبة خارج اقفاص غرفته ناصعة البياض!
صعقت ڤيڤيان من كلمات كريم العجيبة، كانت تظن ان هدوءه وصمته يحملان رضاه وانتهاء هذيان رقية التى لا تعلم حتى كيف يعرف اسمها.
ابتلعت رمقها ببطئ وقالت:
كريم يا حبيبي، مفيش فيلم هنا ولا حد متفق على حاجة يابني، رجليك مكسورة من الحادثة ولو مش مصدقني اناديلك الدكتور هو هيعرف يشرحلك بالظبط اللى حصل تانى!
بعد قالتها تذكرت انه يري الطبيب هو الشرير بطريقة ما! فنظرت لزهرة التي ظلت تشير لها بإشارات ذات معنى ففقهتها الأم المكلومة فتداركت كلماتها وقالت له:
طب بص معاد الاشاعة بتاعت رجليك قرب، هروح أكلمك الدكتور تروح تعملها دلوقتي وتتأكد بنفسك، ماشي ياحبيبي؟
ادار وجهه تجاهها ببطئ وابتسم ابتسامة منكسرة، وكأن عيناه تصرخ لما تكذبين عليّ! وأومأ برأسه موافقة باستسلام، لكن هناك جانبا منه ظن انها قد تكون فرصة ليكتشف بها حقيقة ما!
وقفت لبرهات قليلة تناظر حالة صغيرها المطفئة وما كان منها إلا أن ذهبت بنفسها للطبيب لتحادثه.
خرجت من الغرفة لتجد زهرة في انتظارها وفور أن خرجت قالت بعملية شديدة وهي تخرج هاتفها من جيب اللباس الطبي المخصص لممرضي المشفى:
وحيت ڤيڤيان برسمية ثم تحركت مسرعة بدون أن تسمع أي رد منها، ثم أجابت على المكالمة الملحّة:
آه، كان عندك حق!....
ممكن يا دكتور نعمل اشاعة على رجلين ابني دلوقتي؟
نهض من مقعده ودار حول المكتب وجلس على المقعد المقابل لها وقال:
وده اللى هيأكدله حالته يعني؟ ما هو ممكن يفكر اننا بدلنا نتايجه مع حد غيره! وممكن ينفعل تاني ونضطر نهدّيه تاني بنفس الطريقة!!
دمعت عينا ڤيڤيان وقالت بكلمات مرتعشة:
ده أقل طلب ليا يا دكتور وبعدين الدكتورة زهرة كانت موجودة ومعترضتش خالص، أنا هعمل أي حاجة بس يرجع كريم زي ما كان تاني؟ ساعدني يابني!
سألها الطبيب بيأس:
يا سِت ڤيڤيان، إنتِ متأكدة إن ابنك ميعرفش أي بنت اسمها رقية فعلا؟ هوسه بيها مش هوس عادي!
قال:
أحلفلك بالله يا دكتور ولا عمره شافها، ولا قابلها ولا حتي بالصدفة !!
حنى جذعه واضعا مرفقاه على ساقيه ونظر لڤيڤيان مباشرة وقال:
طيب خلينا نقفل الكلام ده كدة ملهوش أي لازمة، المهم نركز على صحته، وبعد المحاولة دي ولما يشوف نتايج الاشاعات مش هيبقى فيه مهرب من جلسات العلاج النفسي!
رأى علو وجهها معالم الامتعاض وأراد استباق الحديث حتى لا يتدخلوا في جدل مرة أخرى، فتنهد وقال بنبرة رئيفة:
منقدرش نتأخر أكتر من كدة، كريم كل شوية بيدخل في حالة الاكتئاب حبة بحبة، محتاجين نتحرك قبل ما يتمكن منه!
عارف انك مش حابة العلاج النفسي يا سِت ڤيڤيان، لكن احنا وصلنا لمرحلة إن الاختيار رفاهية منملكهاش ومش بايدينا!
علاجه الوحيد عند الدكتورة زهرة، هي متخصصة فى اضطرابات ما بعد الصدمة وابنك واضح انه بيعاني منها!
!
طأطأت رأسها ودموعها تنساب على فلذة كبدها وقالت بقهر:
مفيش أي اختيار تاني يا دكتور؟ انا آه استشرتها قبل كدة، لكن ده ابني وقلبي واكلني عليه، ومش قادرة اتقبل انه يحتاج لعلاج نفسي!
تنهد الطبيب من عنادها وقال برفق:
صدقيني يا سِت ڤيڤيان، لو كان فى طريقة تانية كنت بدأت بيها من نفسي من غير ما نحتار او نستنى كل ده، وبعدين الدكتورة زهرة هي اللي طلبت بنفسها حالته من إدارة المستشفى، فليه نرفض من الأساس؟
رفعت رأسها وقالت بتساؤل:
ثانية واحدة يا دكتور! هي اللي طلبت علاجه بنفسها؟ طب وهي عرفت منين بحالته؟
ابتسم الطبيب وقال:
ومين معرفش بحالته يا سِت ڤيڤيان؟ في اول يومين بس بعد ما فاق كان كل اللي فى المستشفى عارف سيرته وسيرة اللي حصل فى أوضته!
استدرك حديثه السمج وقال مردفا:
المفروض يا أمي نسهل العلاج عليه هو محتاجه فعلا، كمان الدكتورة مهتمة وهو ان شاء الله مستعد ليه نتأخر، كدة كل اللى علينا نديله دليل ملموس بس!
بعد عدة دقائق خرجت ڤيڤيان مع الطبيب رفقة بعض الممرضين ونقلوه بالفعل لحجرة الفحص، كما توقع الجميع رفض كريم العودة لغرفته خشية ان يبدلوا النتائج، بقي في داخل غرفة الفحص وبجواره أمه التي جلست على مقعد جلدي تربت على كتفه تارة وتمسح وجهه ويده تارة اخرى.
ظل يراقب من يدخل ومن يخرج منها واليها ويراقب اياديهم، راعى الطبيب الأمر وظن أنه قد يفيده بالفعل إذا علم حقيقة ساقاه!
بعد أقل من ساعتين كان بالفعل على المقعد المدولب الذي تغاضى عن رفضه فقط ليكشف تلاعبهم، امسك الصورة لساقيه المكسورتان، أخذت ملامحه تتواتر بتعابير غير متناسقة، لم يعد بمقدوره فهم ما يحدث، لا مجال لتغيير النتيجة، انهما بالفعل ساقاه هو لا غيره!
ضم الصورة لصدره بيده السليمة وبدأ بكاء صامت بدموع كمطر ذروة فصل الشتاء، تراجعت انفاسه واخذ جسده ينتفض مع شهقاته التى كتمها غصبا واجبارا، لا يبكي ساقاه ابدا بل بكى رقية وحنينه وشوقه لها!
خرج الطبيب ساحبا مقعدا جلديا آخر ووضعه من الجهة الأخرى، وقال بهدوء بنبرة يشوبها الشفقة:
كريم أنت زي أخويا الصغير، أنت دلوقتى اتأكدت من الكسور اللى في جسمك، وعرفت اننا مش بنكدب عليك! مش ممكن بقا تساعدنا عشان نساعدك تقوم بالسلامة؟
رفع وجهه من بين دموعه ونظر له بين تيه الأفكار وقال:
ومساعدتي دي بقا انكم هتأكدولي إنها وهم ولا هتمسحوها من دماغي خالص بذكرياتي معاها؟ تفتكر اني هوافق على نسيانها؟
صمت وضم قبضته تجاه صدره وقال:
حتى لو مبقاش منها غير حبال الذكرى المقطوعة هفضل متشعلق بيها لآخر لحظة في عمري!
قاطعته يد والدته تحتضن وتسحب كفه المقبوض اليها ونظرت له بأعين راجية، فنظر لها رافعا حاجبيه وقد غلبه البكاء فارتمى فى نحرها يبكي بحرارة، فغلبها البكاء هي الأخرى.
نهض الطبيب إثر تلك اللحظات مبتعدا وقال له:
على الأقل لو مش عايز تحاول عشان نفسك حاول عشان السِت الطيبة اللي تعبت وراك بقالها أكتر من شهر دلوقتي!
اوعدك الموضوع كله على بعضه مجرد استشارات مفيش أي علاج أو جلسات ممكن تأثر على الذاكرة نهائي، كارت دكتورتك مع والدتك والدكتورة بنفسها مستنية تبدأ جلساتها معاك ولو من النهاردة.
بعد وقت قليل عاد لغرفته ووضِع على سريره بمعاونةٍ، نظر بأعين محتقنة من البكاء لأمه وقال بضعف:
أنا مبقتش عارف الحقيقة من الخيال يا أمي!
أنا تعبان أوي، أنا حتى مش متأكد أنتِ اللي واقفة قدامي بجد ولا ده خيالات من عقلي!
أنا مش عارف أنا هنا ولا أنا هناك، قلبي واجعني أوي يا أمي قلبي واجعني أوي!
اخذت خطواتها ذات الدقات الثلاث واقتربت تمسح خده بحنان وأردفت:
حبيبي يابني أنا هنا جنبك!
وفي أي زمان وأي مكان أنا هفضل جنبك وسنداك، ومش عايزة منك يا كريم غير إنك تكونلي بخير، أنت وحيدي وأنا مستعدة احارب العالم كله عشانك ، أنت يابنى سندي وضهري في ايامي الأخيرة ومش عايزة منك غير إنك تفضل طيب!
وقعت كلمات أمه في قلبه الذي قد بدأ يتبلد ويبرد يكسوه اللون الأزرق فبعثت به نقطة نارية دافئة أخذت تتوسع شيئا قليلا لتواسي أحزانه على من اشتاقها!
غمر أمه وضمها إلى صدره ثم قبل جبهتها وقال بصوت يكسوه الالم:
هحاول يا أمي.. هحاول، أنا بس مش حابب موصوع الدكتور النفسي ده ولا هي كانت دكتورة؟!
قالت بصوت مكتوم من داخل حضنه:
أنت مش مجبر يا حبيبي! لكن لو فيه خير ليك نرفضه ليه؟ خلينا نجرب يا كريم فكر شوية فيها كدة، وأي قرار هتاخده أنا معاك فيه، لو عايز حتي تغير المستشفى كلها هنغيرها مش مهم!
ثم ابتعدت قليلا تشد غطاء السرير عليه وقالت بحنان:
ودلوقتي بقا أنت محتاج تنام وتريح جسمك حبة، وأنا هروح أصلّي العشا فى مسجد المستشفى قبل ما وقتها يفوت!
تحركت ببطئ تجاه باب الغرفة واغلقت الانارة فتحت باب الغرفة وخرجت وقبل ان تغلقه نظرت له بابتسامة صافية وقالت:
تصبح على الطِيب يا فرح عمري.
كان ينظر نحوها وهي تغلق الباب خلفها، ابتسم من تحيتها الأخيرة كانت من سماتها ان تُسمعه تلك العبارة فى حال صفاء داخلها ورضاها عنه.
ظل يناظر ضوء القمر الآتي من خارج النافذة المتسعة المتسلل من خلف الستائر، كان يراقب ولا يرى حقا كان غارقا فى أفكاره، هل حقا هي فقط حالة ثبات!
هل هي حقا أثر جانبي لحالة ثبات ونسج خيال!
قلبه تألم فقط من مجرد مرور الاحتمال أمام عيناه طفق يهز رأسه وكأنه ينفض غبار الاحتمال المرير عنه، شعر بضيق التفكير فأجبر نفسه لينام داسّا رأسه بين فراغ الوسادات فغفت عيناه تاركا هموم الواقع آملا في استيقاظ في عالم به رقية.
أتى صباحه ككل صباح مر به، أمل ثم صدمة ثم تبلد، اصبحت سلسلة من المتواليات بات يألفها أو هي التي باتت تستنزف أمله! لكنها تستهلك قلب امه المراقبة له كل صباح حتى ضاق ذرعها.
على عكس ارادتها ذهبت ڤيڤيان بنفسها سعيا وراء زهرة التى تركت باب حجرتها مفتوح أمام الزائرين، فدخلت منه ڤيڤيان وقبل ان تجلس قالت:
ممكن نبدأ من دلوقتي يا دكتورة؟ انا مبقتش قادرة استحمل اشوفه بيدبل قدامي يوم عن يوم كدة!
ماكان من زهرة إلا الانصياع لقلب الأم المحتقن امامها، أمسكت هاتفها ودونت عليه شيئا ما وتحركت لأول جلسات كريم النفسية!
بعد لحظات قليلة دخلت زهرة وطلبت من ڤيڤيان المغادرة، سحبت مقعد من الأثاث الابيض بغرفة كريم الذى رفض حتى مطالعة وجهها، جلست وقالت:
صباح الخير أنت السيد كريم السويفي مش كدة؟
...............
أنا زهرة رامي، جيت لهنا مخصوص عشانك، حتى اللي طلبتني شخصية عزيزة عليك! مش عايز تعرف مين هي؟
.................
طب طالما مبتحبش تتكلم ، خلينا نفترض انك بتحب تسمع بقا!
بص أنا حكايتي حكاية، أساسا أنا بنت وحيدة مليش أخوات، مش أنت كدة برضو؟
بس بقا عشت مع بابا لوحده، على عكسك كدة عشان أنت عشت مع مامتك صح كدة؟
أنت عارف أيام المدرسة كانت جميلة أوي، لحد دلوقتى كل ما افتكرها ابتسم كدة، عارف وانا في ابتدائي او يعني اللى بيعادل الابتدائي يعنى كانو بيقولوا عليا شقية!
آه اصل أنا مكبرتش هنا أنا كبرت برة، أنا مقولتكش صح!
أصل ماما مش مصرية وبابا اتجوزها هناك، المهم بقا يوم المدرسة ده كان يوم، كان نفسي اهرب عشان اعلق شرابي على شجرة!
آه والله العيال كانو بيعملوا كدة وكانوا بيقولوا الجنية هتحط فيها حلويات، طبعا في اليوم ده مفيش حاجة اتعلقت غيري، اصل انا هربت من المدرسة وهما هناك فى البلد بيعملوا مهرجانات يعني غير اللى هنا طبعا كان أسمه لابيڤانا في بلد ماما فى ايطاليا ، آه صحيح طنط ڤيڤيان حكتلي برضو انها مش مصرية عارف قالتلى ازاى كان موقـ.
.
.
.
.
.
فصرخ كريم وهو يناظرها بغضب:
بــــــــــــس! فيه إيه مالك؟ فيه دكتورة تعالج مرضاها باللّكْـ كدة، انا مال أهلي بمغامرات الشرابات بتاعتك ولا بمدينك ولا ان الست والدتك من بلد تانية!
ضحكت زهرة برضا وقالت بصوت رسمي وكلمات متزنة:
آااه، دلوقتي أخدت انتباهك واخيرا بصيت ناحيتي! خلينا نبدأ من الاول أنا زهرة رامي ومن انهارده هكون الدكتورة بتاعتك، عجبك ولا لأ، مش مشكلتي!
نظرت له بابتسامة مستفزة ثم نهضت تتجه نحو باب الغرفة وقبل ان تخرج قالت:
آاه صحيح، جلستك الاولى خلصت دلوقتي، هوِّن على نفسك بالراحة كدة!
كل اللي انت عايزه هتلاقيه بس اصبر شوية واللى انت بتحلم بيه هتشوفوا فى الحقيقة قريب!
كل حاجة فى وقتها، دلوقتى استأذنك جنابك!
شغلي خلص هنا!
خرجت من الغرفة وطلبت من السيدة ڤيڤيان ان تاتي معها لتتم معها بعض الاتفاقات وترشدها لكيفية التعامل معه خلال هذه الفترة من الزمن.
ظل كريم على سريره يناظر محل وقوف تلك المرأة المستفزة بحنق وزفر مقررا أنه سيلجأ للنعاس علَّه يهرب من هذا العالم الذي يقذفه بالاطباء المختلين يمنة ويسرة!
كعادته دفن رأسه بين فراغات الوسائد وكأنه يفصل نفسه عن المحيط حوله ودخل فى حالة نوم من وَسْنٍ رقيق ، بعد بضع دقائق وقبل أن يرقد في عمق، سمع صوت طرقات كعب انثوي يقترب منه بهدوء وقبل ان يتمالك زمام أمره كان قد غفى!
لحظات ووجد ضوء قوي ضرب وجهه فوضع يداه اللثنتان على عيناه يحميها من الضوء وفور أن اعتاده فتح عيناه وابعدهما فوجد نفسه يجلس على رمال الشاطئ الذي يعرف رماله حبة حبة ذلك الشاطئ ذا الذكريات الكثيرة، فجأة أدرك شيئا فرفع كفاه يناظرهما فوجدهما سالمتان نظر لساقيه فوجدهما على عكس الايام السابقة القليلة تبدوان بأحسن حال، تساءل قليلا لكن شوقه لشعور الحرية طغى عليه فتناسى التساؤل وتناسى الفضول آثر أن يعيش لحظته بلا غم ولا قهر!
شمس المغيب في مقابلته تحتضنها السماء الملونة بدرجات الألوان النارية المرافقة لغيوم جميلة كحلوى القطن الملونة بألوان بادرة وصوت هدير الأمواج يتعالي ويهدر قاذفا عليه عليه رائحة اليود الخفيفة مع لفحة هواء بارد شتوي.
أخذ شهيقا وأعاد جذعه للخلف يستند بيداه على الرمال يغترفها بين كفاه ويغلغل أصابعه بها، أعاد رأسه للخلف يناظر سماء الغروب الرقيقة التي يحب مناظرتها وتخيل أشكال الغيوم بها لما يخيله له خياله، فأخذه لحن أصوات طبيعة خلق الله، فأغلق عيناه وترك العنان لحواسه الأخرى لتستمتع برائحة البحر وصوته عزفه الشجي المهيب.
كان منخرط في استمتاعه حتى طرق انفه رائحة مخالطه مع رائحة اليود البحرية كانت رائحة الفانيلا نفسها التي يعشق صاحبتها، فتح عيناه فوجد وجهها مقلوبا رأسا على عقب تنظر له من خلفه تقف محنية الظهر تجاهه وتلملم بكفوفها تدلي حجابها لتستطيع رؤية وجهه!
تسمرت عيناه يناظرها، خاف ان يرمش جفنه فتختفي من أمامه مرة أخرى، ترقرقت عيناه واختنق صوته وهو على وضعه ذاك.
كان صوت الأمواج يكاد ان يختفى وكأن الوقت توقف على وضعهما هذا، فقاطع فراغ صوت الأمواج صوتها يحنو على جفاف قلبه في تلك الأيام الماضية تقول:
عامل إيه يا كريم؟
.......... يتبع............
توقعاتكم الفصل ده إيه؟
رأيكم فى زهرة رامي؟
ايه توقعكم للكلام اللى هيدور بين كريم ورقية المرة دي؟
دمتم بخير♥♥
الرابع من هنا
قراءة رواية شظايا ثمينة الفصل الرابع 4 كاملة | بقلم ايمان قنديل
اقرأ الآن تكملة رواية شظايا ثمينة الفصل الثالث 3 كاملة في الفصل التالي.
رواية شظايا ثمينة من الفصل الأول حتى الأخير
جميع فصول رواية شظايا ثمينة كاملة في مكان واحد لتسهيل الوصول والقراءة.