رواية شظايا ثمينة الفصل الاول 1 كاملة | بقلم ايمان قنديل
تم تحديث الفصل بتاريخ 15 مارس 2026
1-انت عندك 29 سنة!
طقس بارد، صقيع قارس، وشتاء بلا رياح ، في وقت متأخر من الليل في مدخل طولي يحفه الرخام الأسود الانيق من كل جانب لفندق مرموق بالإسكندرية ، يطل على شارع خال من المارة وحتى من السيارات حتى وهو شارع رئيسي
خرجت وحيدة تبكي في ردهة طويلة لا يسمع فيها غير صوت شهقاتها وطرق نعالها المتسارع غير المتناسق.
ركضت تجمع بيديها المرتعشتين ثوبها الحريري الوردي الفضفاض تبادل بين كفاها لمسح دموعها ، كان كل ما يضج داخلها هو أن تهرب بعيدا .
في طقس قارس البرودة إلا من أنفاسها الحارة التي تحترق حسرة وانكسار ،خرجت من الردهة للشارع العمومي تتلفت بتيه ولا وعي بأنظارها ،اختارت جهة وظلت تركض تتعثر في ثوبها الباهر الأنيق تارة وتتوقف لتلتقط أنفاسها تارة.
حتى سمعت صوت ركض خلفها، وصوته يناديها باستماتة، تجاهلت صوته الاجش الرجولي الذي لطالما حرك مشاعرها اطمئنانا وحبا ، هو الآن أصبح سهم يخترق قلبها ألما وخذلانا، لم يسعها سوى الهروب!
ظلت تركض مسافة تكبو خطواتها تعثرا في ثوبها الذي لم يعد لرفعه معنى بعد أن انحنى جذعها لا تقوى على رفعه، بدأ صوت تنفسها يعلو شيئا فشيئا ،ورؤيتها تظلم أكثر فأكثر ، ويداها بدأت ترتخي، فتيقنت ان نوبة هلعها التي لطالما داهتمها في أحلك اوقاتها قد بدأت .
كان عليها الابتعاد لكن جسدها بدأ في خيانتها كعادته أرجلها بدأت بالتثاقل وكأنها تجر، كيانها أعلن العصيان عليها وكأنه يعطيه هو من الفرص واحدة أخرى ليلحقها .
قبل أن تدخل مرحلة الإغماء التي تنتهي بها نوبة هلعها الضروس، أفاقها كف يده الذي انتزع ذراعها يسحبها لمعانقته فصفعته بآخر طاقة لها ، وقف ينظر للأرض بلا حراك ممسكا ذراعها سجينا في كفه، قال بصوت مرتعش: حقك ،أنا عارف إني أستاهل .
قالت بصوت مبحوح يائس وهي تحاول قدر ما تملك ألا تتصل معه بالأعين: طالما عارف، سيبني امشي!
قال مترجيا يحني جسده واضعا كفه الآخر على صدره باستجداء :
قلبي مش هيتحمل بعدك تاني! مقدرش أمشي والله ما هقدر!
قالت وهي تبعد وجهها بعيدا عنه تبكي بصمت فقط دموع جارية : لا قدرت قبل كدة وهتقدر تاني ، وإن كان في الأول بمزاجك دلوقتى بقا غصب عنك ولازم نبعد.
شد وثاق كفه على ذراعها وأردف بغضب وعناده المعتاد يهدر: مفيش حاجة هتحصل غصب عنى ، إنتِ فاهمه !!
كمشت حاجباها في ألم وأرجعت وجهها تنظر له وأخذت تدفن سبابتها في صدره طعنات : لأ فيه!
اللي حصل قبل كدة واللى بيحصل النهاردة كل ده غصب عنك، كل حاجة هنا غصب عنك وكمان هتسبيني غصب عنك دلوقتي.
ارتجف صوته يحاول استرجاء قلبها: صدقيني والله هصلح كل ده، هرجع كل حاجة أحسن من الأول، أنتِ مش فاهمة مكانتك في قلبي يا رقية!
صرخت بيأس بأقصى أنفاسها: أنت اللى مش فاهم حاجة يا كريم! مش فاهم أي حاجة!
سيبني أروح في طريقي ، وأنت روح لطريقك ، أنا خلاص مبقتش محتجالك في حياتي أكتر من كدة، كفاية!
أنهت جملتها تحاول سحب ذراعها بما أوتيت من قوة من كف يده بلا فائدة.
صاح بعناد يسحب ذراعها بعتو وهو ينظر لعيناها بتحدٍ : دي آخر حاجة ممكن أعملها، أنا مش هسيبك ولو آخر يوم ليا فيها !
قالت بصوت ضعيف ونبرة باردة: سيب دراعي يا كريم ، أنا قلتلك قبل كدة ، إحنا مننفعش لبعض ، سيبيني وأرجع للناس اللي مستنينك.
قال ضاغطا على ذراعها بعيون جاحظة وصوت مرتفع : تغور في داهية الناس يا رقيه مش راجع ومش سايبك وهنحل الموضوع دلوقتي !
أغمضت عيناها وتنهدت بأسى ثم رفعت كفها تزيح يده بهدوء عن ذراعها الأخرى، نظرت لعينيه بدموع قليلة وابتسمت بانكسار وأردفت:
أنا آسفة يا كريم أنت لازم تفوق بسرعة من اللى أنت فيه ده، حتى لو بالطريقة دي!!
وقبل أن يجادلها أو يستطيع الرفض حتى ، كانت قد تسلطت عليها أضواء ساطعة تكسر عتمة المكان وأخذ صوت هدير قاس يقترب يخترق هدوء المحيط ، وبسرعة خاطفة مر شبح لشيء كبير أسود اجتاح وجودها أمامه واسقطها طريحة على الأرض في بحيرة كبيرة من اللون الأحمر القاني!
نظر تجاه ما مر وأخذها فتبينت له سيارة يقتادها مخمور لم يتأثر حتى، لكن هي.
.
.
رِقة.
.
.
رقته.
.
.
.
استدارت رأسه ناحيتها.
تجمدت عيناه ينظر للجسد الضئيل النحيف الذي اختفي من أمامه وطار بعيدا بفعل تلك السيارة المسرعة ،اختنقت الأنفاس في حلقه ، انسحق قلبه على خليلته التي لطالما تمنى ابتسامة صغيرة من ثغرها والآن هي انتُزعت انتزاعا من أمامه.
حاول التحرك نحوها خطوة ثقيلة بطيئة يجرها وقبل أن تبلغ الثانية محلها ، كان قد سقط هو الآخر ولكن مغشيا عليه .
♕_______________________♕
أخذ ضوء مزعج يتسرب من جفناه يؤلم مقلاتيه كـنارٍ حارقة، حاول رفع يده ليحمي بها وجهه لكن تعذر عليه رفعها، حاول ابتلاع ريقة فوجده جاف كالقطن، فأصدر صوت أنين خفيض جاء على أثره أصوات تهليل يصحبها فرح وحركة كثيرة حوله.
أتى لأذنيه صوت أنثوي أصبح يمقته، كانت الفتاة تصرخ بمبالغة تحدث أمرأة أخرى: كريم فاق يا مامي!!
تلاه صوت خطوات أقدام ودقة عكاز تسبقهم، فاطمئن أن أمه الحبيب بجواره، سمعها بصوت باكي تقول: ابني! حبيبي يا بني! ثم سمعها تقول بحزم : وسعي كدة يا حبيبتي عايزة أشوفه!
فتح عيناه بضعف ووهن فرأي وجه أمه المستدير الذي خالطه الكبر وبعض الهم والألم، وجد عيناها الزرقاء المستدقة دامعة وشفاهها الرفيعة الذي طالما آنسها مبتسمة ترتعش .
انتفض قلبه لرؤية أمه بتلك الحالة البائسة فحاول ينهض ليغمرها فتطمئن، لكن على غير استعداده شعر بثقل وتعب من رفع جذعه وسحبت يده أنبوب يتصل بحامل معدني تعرف عليه قبل أن ينظر بسبب صوت جرجرة عجلاته على الأرض أنه حامل السائل المحلول المغذي!
فطفق ينظر حوله بتوتر فإذا به في غرفة مشفى، نوافذها كبيرة تدخل ضوء ساطع للداخل، بها أثاث جلدي وسرير أخر وكل شيء يكتسي باللون الأبيض وبعض الأزرق على استحياء.
وفي إحدى اركانها يتواجد رجل وامرأة يناظرونه بملامح مختلطة لم يفهمها، تجاوز عنهم وقد انتُزِع كامل انتباهه لينظر لجسده، فوجد ساقيه مجبرتان مع إحدى ذراعيه!
فتساءل في خاطره عن سبب حالته تلك التي لم يكن عليها قبل فقدانه للوعي ثم ضرب قلبه ألم عاتي عندما تذكر آخر لحظاته قبلها، فاعاد نظره لأمه يمسك يدها ويقول:
رقية يا أمي، رقية فين ؟ حصلها ايه ؟
قبل أن تنبس ببنت شفة قاطعها صوت الفتاة تقول من خلف أمه : رقية مين؟ محدش هنا بالإسم ده !!
ما لبس أن أتاه صوت الشاب الذي اقترب منه وقال ببهجة في غير موعدها: حمد لله على سلامتك يا أبو الكرم، كدة تخضنا عليك؟
عندما استبان كريم وجهه، أخذ الغضب يكسو ملامحه ، وصدح صوته رغم تألمه: خد بعضك واخرج من هنا مش عايز اشوف خلقتك تاني ، اخرج برة!
وقبل أن يكمل جملته أخذ يتألم من صدره وكتفه في لحظة دخول الطبيب الذي أمر بإخراج المتواجدين،إلا أمه أبت تركه.
لملم الشاب أشيائه وخرج بينما رفعت الفتاة الحقيبة وناظرت أمه وقالت: انا همشي دلوقتى يا مامي وهاجي بعد الضهر ، عايزة حاجة اجيبهالك معايا؟
فاجابتها أمه : لا شكرا يا حبيبتي، ابقي نامي شوية وارتاحي عشان تعبتي الفترة الى فاتت.
حيّت أمه ولثمتها واستدارت له تقول بدلال : حمد لله على سلامتك يا كيمي ، هجيلك بعد الضهر يا حبيبي!
اعتلا وجهه الاشمئزاز فأداره بعيدا عنها ليواجه أمه مع صوت غلق الفتاة للباب خلفها ما إن خرجت حتى حادث أمه يتوسلها : رقية فين يا أمي ؟ رقية حصلها ايه؟
فاجابته أمه بتعجب : رقية مين يا بني اللى تقصدها؟ وتعرفها منين بس؟
ناظرها برهبة ورفع جذعه بتألم وقال : يا أمي متخبيش عليا اللى حصل!
رقية حصلها إيه ؟
هي فين ؟
لو لسة زعلانه انا مستعد ابوس على راسها بس تسامحني .
وأخذه البكاء تحت أنظار أمه المتحسرة التي بادلتها مع الطبيب بقلق .
ثم قالت بصوت باك بيأس : يا بني انا والله ما بكدب، انا مش عارفة مين اللى انت تقصدها بالظبط ؟
والتفتت للطبيب تقول برجاء : يا دكتور أبوس إيدك شوف ابني ماله ؟
تحمحم الطبيب بوقار وقال: أستاذ كريم ممكن تقولي إيه آخر حاجة فاكرها قبل الحادثة ؟
أعاد ظهره يستند على الوسادة وقال للطبيب : كنت واقف مع رقية فى الشارع وجت عربية .
.
.
ثم صمت وانفجر باكيا عندما تذكر جسدها الملقى فى بركة الدم بعيدا عنه، رفع عيناه للطبيب وقال بصوت يرتعش: هي حصلها حاجة صح؟
هي مماتتش مش كدة؟
حاول أن ينهض لكن ساقاه المجبرتان منعتاه، فنظر لهما بغير فهم ونظر للطبيب يشير لهما وسأله : رجليا مالها؟
أجابه الطبيب بنبرة عملية راكدة: أستاذ كريم حضرتك جيت هنا بعد ما اتقلبت بيك عربيتك في حادثة على طريق الساحل .
ظهر الذعر والذهول على وجه كريم ثم أغمض عيناه ووضع كفه السليم الباقي على وجهه يفرك عينه ثم أنزله واضعه على فمه وقال من تحت كفه بصوت مبحوح: لأ يا دكتور أنت فاهم غلط ، أنا كنت فى الشارع بتكلم مع رقية وجت عربية خبطتها!
ابتلع ريقة وقال بجفاف حلق ووجه اختفت منه الدماء: يا دكتور لو حصلها حاجة بلغني، بس على الاقل أعرف حالتها إيه !!
تنهد الطبيب وقال: يا أستاذ كريم أنت مكنتش في الشارع وعربيتك اتقلبت بعد ما فراملها سابت واترفعت على جزيرة الطريق ، وكنت لوحدك في العربية، مكنش في حد معاك ، وكان بقالك شهر في غيبوبة لسة فايق منها دلوقتي!
تجمد جسد كريم في مكانه ثم رفع رأسه تجاه أمه يسألها بعيناه فأجابت : كلام الدكتور صح يا كريم إحنا مستنينك بقالنا شهر !
فتداخلت الذكريات في رأسه فصرخ ألما يفرك جبهته بكفه السليم وقال: لا لا لا ده كلام ميدخلش مخ ، يعني إيه اللى أنت بتقوله ده ؟
أنا مكنتش في عربية ، أنا كنت في الشارع مع رقية والله أنا متأكد!
!
فصرخت أمه باكية: يابني والله كانت حادثة عربية وكنت راجع من مطعم الساحل بعد ما رحته لما قالولك في فلوس ناقصة من العُهدة، افتكر يابني!
بدأ الم رأس يجتاح وعيه فصاح بغضب : يعنى ايه ؟عايزين تفهموني إن رقية مش موجودة وإني أنا اللى بخترع يعني !!
حاول الطبيب تهدئته واردف: يا أستاذ كريم، طبيعي بعد غيبوبة تامة لمدة شهر إنك تقوم مختلط عليك أمور كتير، فأهدى وأدي لنفسك وقت تتعافى وادينا وقت نساعدك ونحاول نفهم الحالة اللى أنت فيها .
رفع كريم وجهه بحنق وقال: حالة ؟ سنتين كاملين من حياتي عايزين تلغوها كدة ! وتقولولي حالة ؟
توسعت أنظار الطبيب الذي لم يعهد مريض يستفيق من ثبات يستطيع استبيان كل تلك المعلومات وبدقة وسأله باهتمام: أستاذ كريم ، أنت عندك كام سنة دلوقتي ؟ وإحنا في سنة كام دلوقتي ؟
رفع رأسه يثبت عيناه رافعا حاجبه الأيسر باستنكار وأجاب: إيه الاسئلة الغريبة دي! انت مفكرني مجنون مثلا!!
قاطعه الطبيب: لا ابدا يا استاذ كريم ده سؤال روتيني بنسأله اعتيادي للمرضى بعد الاستفاقة من غيبوبة، لو سمحت تجاوبني!
قبل ان ينفعل قاطعه كفا والدته التي تمسكت بيده تربت عليها وتومأ برأسها رجاء له ليتجاوب مع الطبيب فزفر يغمض عيناه ثم رفع حاجباه في استسلام واجاب برتابة: عندي ٣١ سنة ، واحنا في سنة ٢٠٢٤، فين المعضلة هنا ؟
!
صدح صوت أمه : بتقول إيه يا بني أنت عندك ٢٩ سنة!!
نظر لأمه نظرة المشدوه، إن كذِب العالم أجمع، لن تكذب عليه أمه، نظر للطبيب فرآه يومأ بالإيجاب، فأخذ ينظر حوله بهلع فوجد هاتف أمه الذي اشتراه لها بيوم الأم منذ عامين فوجده عليه لصاقة حماية الشاشة التي تأتي مع الهواتف الجديدة فتح الهاتف يناظر التاريخ فوجده ٤/٥/٢٠٢٢.
.
يتبع بأمر الله...
الثاني من هنا
قراءة رواية شظايا ثمينة الفصل الثاني 2 كاملة | بقلم ايمان قنديل
اقرأ الآن الفصل التالي من رواية شظايا ثمينة الفصل الاول 1 كاملة ولا تتأخر.
جميع أجزاء رواية شظايا ثمينة
كل ما تبحث عنه من فصول رواية شظايا ثمينة متوفر هنا بشكل منظم.