📁 آحدث المقالات

رواية شظايا ثمينة الفصل الرابع 4 كاملة | بقلم ايمان قنديل

رواية شظايا ثمينة الفصل الرابع 4 كاملة | بقلم ايمان قنديل

تم تحديث الفصل بتاريخ 15 مارس 2026

رواية شظايا ثمينة الفصل الرابع 4 كاملة | بقلم ايمان قنديل
4- شقيانة من غيرك يا رِقة!
هناك لحظات تتمني توقف الزمان بها من جمال وقعها على فؤادك،  حتى يظل مذاقها السكري الحلو في فمك ، وتتمسك بريحها الطيب يتغشى دواخلك، وملامسها الحنونة الدافئة تبقى على ذاكرة يداك .
تلك اللحظات تأخذ بيدك من غياهب الحزن لتربت عليك وتمسح وجناتك المبللة،  تلك اللحظات ستظل ونيسة ايامك الزرقاء الباردة الحزينة،  وتبقى الدفئ والضي ذا الشعلة البسيطة الذي يضيء طريق حواسك، والذي يلهب حاجتك للأمل.
رؤيته  لوجه درة قلبه اخيرا، كان كليلة دامسة قد قمرت ببدر التمام العملاق، أضاءت عتمة فؤاده بعد ان كاد الظلام أن يأكله قطعة قطعة،  توقف زمانه وزمانها يتأمل  وجهها الآتي من اعلاه،  يكاد يقسم ان خافقه قد فاتت عليه بضع خفقات ثابتة دون عمل، قبل أن يعيده صوتها الذي اشتاقه إلى العالم المحيط بهم مع أول همسة همست بها.
وكأنه رأى ببطئ ثغرها يفرج عن ابتسامة دافئة صغيرة ثم استزاد بحركة بسيطة لتتحدث، فتسلل صوتها يخترق مسامعه وصولا لقلبه جاعلا منه يضرب كطبلٍ عملاق يكاد كيانه يهتز مع خفقاته التي جُنّت لها، عندما قالت:
ايه يا كريم، عامل ايه النهارده؟
التجم صوته في حلقه وخانه ولم يرد،  لكن جسده هو من أسرع التصرف، فانتفض قافزا على ركبتيه بحركة سريعة يواجهها، ساحبا ساعدها إليه يضمها لصدره بغير وعي ولا حديث، فقط بعيون منفرجة بغير تصديق وفقط دموع تسري بهدوء على وجهه، وكلمات متقطعة مبحوحة من قلب هلكه اللهاث تقول:
كنتِ فين؟  رحتِ فين وسيبتيني؟
كان بعالم آخر، عالم من وجد حبل النجاة بعد التدلي فوق جرف هار، فلم يعده إلى وعيه سوا ذراعاها تدفعانه بعيدا بخبطات مترددة على صدره بكلتا يداها، فابتسم يغمض عيناه رادفا جفونه للمرة الأولى منذ رؤيتها، وافرج ذراعاه عنها، فجلست تثني ساقيها وتحيطهما بذراعيها ناظرة تجاه البحر فتبعها ولف جسده يجلس بجوارها فاردا ساقاه الطويلتان باسترخاء واطلق تنهيدة مسموعة خَلَفَها صوته الأجش يخاطبها:
انتِ لسة فيكي العادة المهببة دي؟
فردت عليه بعنادها المألوف الذي دغدغ قلبه واشعره انه اخيرا عاد لوطنه، تقول معاندة:
المفروض نقول العكس! انت اللى لسة فيك العادة المنيلة دي!
انفرجت اساريره ضاحكا من المحادثة المألوفة وقال بمكر:
وفيها ايه انا بحضن مراتي؟!
قالت بغضب هو يعرفه تمام المعرفة:
كام مرة يا كريم اتكلمنا وقولنا ان لكل وقت آذان! وأذانك اللى انت بتلف وتدور عليه ده وقته مجاش!
قال بعناد وقد لف وجهه تاجهها واضعا كفه على صدره:
لا وقته يا رقية أنتِ اللى بتلفي وتدوري!  أنتِ مراتي برضاكِ على فكرة وكان فيه مأذون وشهود وولي! وهتفضلي كدة لو بينا بلاد مش أوض وأدوار،  تمام؟
اخذت شهيقا تحاول كتم غيظها وقالت باحتداد:
مكنش حـ... وصمتت تستدرك وكأنها توقف جماح غضبها فور تذكرها لأمر هام ثم تنهدت ونظرت له وقالت بحنان:
ازي عيونك الزرقا يا صديق روحي؟
ابتسم ابتسامة منكسرة والتفت تجاه موجات البحر وقال بشجن:
شقيانة من غيرك يا رِقة!
ضرب الخجل وجنتاها ولكن اكتسح فؤادها اجتياح ألم مستور لا تود ان تظهره لا الآن ولا قبلا، فتحت فاهها لتواسيه لكنه سبقها بالحديث، وكأنه تذكر الأيام الحالكة السابقة ثم التفت تجاهها بتساؤل يشبه طلقات آلية:
استني!  إيه اللى بيحصل هنا؟  أنتِ كنتِ فين؟ ولا أنا كنت فين؟ استني استني أنا إيه اللى حصل لي؟ وايـ..
قاطعته بوضع يدها على شفاهه وبصوت قلق أردفت:
كريم اسمعني كويس!  معندناش وقت نشرح فيه حاجة كل اللى عايزاه منك دلوقتى تتعاون وتستناني،  ماشي؟
فقاطعها هو يزيل يدها من فوق فمه وقد بدأ الغضب لا القلق يكسوه:
أنتِ بتقولي إيه؟ اتعاون مع مين؟ وبعدين استناكِ ليه ما أنتِ هنا أهو؟ يلا قومي هنروح! يلا!
ثم نهض يسحب ذراعها لتنهض هي الآخرى وهو يقول بهيستيريا :
يلا على البيت! المرة دي مش هسيبك! ومش عايز تفسير لأي حاجة أنا عايز بس نروح بيتنا تمام؟  يلـ
قاطعته تصرخ:
بص حواليك يا كريم مفيش بيت هنا! بص وراك مفيش حاجة هناك!
نظر خلفه فكان المنظر غير مألوف أبدا، بالتأكيد هذا هو الشاطئ الذي عهده كلاهما، لكن مرة أخرى هو ليس نفس الشاطئ، فكل ما عهده هناك غير موجود، أعاد نظره إليها بذعر يتساءل، فوجد ملامح وجهها متألمة، وامسكت كف يده ووضعت فى قبضته شيء ثم اغلقته عليه وقالت بصوت يخفت من جواره، بدا وكأن ملمس يدها يذوب في يده :
ركز يا كريم معندناش وقت للشرح، اسمعنى كويس! صدق كل اللى شفته،  وصدق كل اللى هتشوفه، واستنى متاخدش قرارات نندم عليها!  استناني بس والله هاجيلك بنفسي!
وابتعدت عنه خطوة ففتح كف يده يناظر ما وضعته فيه فوجدها لعبة فضية على شكل ورقة شجر العنب، ورقة لطيفة كان لها مدلول مضحك ورومانسي بينهما، فابتسم ورفع عيناه تجاهها فوجدها تبتعد عنه وكأنها تطير بعيدا لكن صوتها ظل يتمتم:
استناني، أنا هجيلك لحد عندك!
تداخل صوتها من جملتها الأخيرة بجملة أخرى أيضا بصوتها وكأنها تحادث شخصا آخر بنبرة معادية أتت إلى مسامعه يصاحبها صدى وهي تقول:
لا ده مش هيحصل ابدا!
♕_______________________♕
تداخلت رؤيته لوجهها المقابل له على الشاطئ لضوء الغرفة الصناعي يأتي من المصباح فوقه يخترق جفناه المغلقان، فكمش وجهه في انزعاج، ورفع كفه يحمي عيناه من الضوء، وما أطلق عنان انزعاجه لينفجر، حتى قبل أن يفتح عيناه، هو الصوت المتغنج لذات الفتاة التي كرهها وكره صوتها وصورتها  تنعق :
مساء الخير يا كيمي!
وبغضب فرك جبهته بكفه الذي لم يزله عن عيناه، ثم سمع خطاها تقترب من سريره وهي تنشد كغراب عجوز يتدلل:
انت متعرفش يا كيمي أنا كنت قلقانة عليك أد إيه! ووحشتني ازاي! بص بقا أنا عملتلك شوربة ولازم تدوقها يلا افتح بـ...
قاطعها قبل ان تكمل بجفاء:
متـكـملـيـش ومتتـكلمـيش، ولا كلمة!
فاقتربت منه ووضعت الطبق جانبا ومدت يدها تحاول تلمس وجهه فحرك رأسه في الجهة المقابلة وهو يردف:
مش هتبطلي بقا الشغل ده! كل اللى بتعمليه ده ملوش أي لازمة ومش هتاخدي من وراه حاجة لعلمك!
فتصنعت بكاء كعويل السحالي وقالت بتهتك:
لكن يا كيمي أنا بحـبـ....
فاعتدل جالسا وصاح بنفاذ صبر:
متـحـاولـيـش حـتـى!
قالت بعناد متصنعة صوت انثوي تافه مثلها ولم تهتم:
ليه كدة يا كيمي؟ بقيت بتقف لي على الواحدة ومش طايق كلامى؟ أنت عمرك ما كنت كدة!
زفر بغضب وقال بانفعال:
حـمـار بقا تقولي إيه! كنت حـمـار وقتها!
اقتربت أكثر تلمس كفه بكفيها مما زاد غضبه لأقصاه،  فدفع يدها بعيدا وأردف:
أنتِ مش بتزهقي؟! بجد والله مش بتزهقي من التمثيل ده!
تزامن مع انتهاء كلماته فتح باب الغرفة معلنا عن وصول ڤيڤيان التي صرخت هي الأخرى على الفتاة:
أنا مش قلتلك قبل كدة متدخليش الأوضة دي إلا وأنا هنا الأول؟
فردت بضعف متصنع:
لكن يا مامي أنا معملتش حاجة وحشة، ده كيمي بس فهمني غلط وأنا هوضحله!
فتوسعت عينا ڤيڤيان المستدقة الزرقاء وقالت بغيظ:
متخلينيش أعمل حاجة تندمي عليها! يلا لمي حاجتك وامشي دلوقتي من غير ولا كلمة!
نظرت لها بغضب وأخذت تدق ساقها فى الأرض بسخافة وصاحت بتدلل من عَهِدَ الغفران لحماقاتِ قوله:
لكن يا مامي أنا......
فصاحت بها ڤيڤيان بصوت صادح وقد اقتربت تتعكز على إطار سرير كريم بجوارها ترفع عكازها الأسود ذا الخشب المجدول توخز كتف الفتاة واحتدت تقول:
جـــــــلـــيـــلـة! دي آخر مرة تيجي فيها هنا، لمي حاجاتك دي وامشي من هنا ومتجيش تانى أبدا لحد ما كريم يخرج!
صرخت جليلة بغضب تملك منها:
أنا قلت ميت مرة مسميش جليلة، محدش يناديني كدة!
زفرت بنفاذ صبر ڤيڤيان وتوسعت عيناها من لامبالاة المدللة أمامها، ارادت ان تصرخ بكل قوتها إلا أن الصوت الأجش للقابع خلفها قد غلبها يهدر بغضب:
أخـــرجـــي مــن هــنــــــا يا أوقح خلق الله!
أنا زهقت منك!
زهقت من صدي ليكِ من غير نتيجة!
زهقت من شوفة وشك حواليا!
امشي من هنا وارحمينا بقا!
عالة عاملة زي العلقة!
كل مرة بتتكلمي بطريقتك دي قدامى بطنى بتوجعني!
كل حركاتك وكلامك وتمثيلك ومسكنتك دي بتخليني حاسس بقرف!
كل مرة بتبصيلي بصاتك الزبالة دي بحس اني عايز اغسلها عني!
اطلعي برة اطلعي من حياتي!
اخرجي ومترجعيش!
وكفاية كدة بقا!
صمتت كلتاهما بين فزع ومفاجأة، في لحظات لم تعتدها أي منهما، كريم اللطيف وصاحب اللسان المنضبط والصوت الهادئ والأعصاب الباردة يخرج عن صمته وعن هدوئه، بل ويطلق العنان للسانه ليسب شخصا يكرهه ويصيح بصوت مرتفع ليرفض ما يحدث أمامه!
أنزلت ڤيڤيان عكازها تستند عليه وهي تناظر ابنها حتى أنها نسيت جليلة المدللة، التي وقفت هي الأخرى كفأر وضع في الزاوية، توسعت عيناها تناظره برعب حقيقي،  لم تعهد كريم أبداً رجل مصاحب للغضب لم تعهده إلا متسامح مرن كانت تستغله من وقت لآخر!
لملمت اغراضها بسرعة البرق، حتى أن يداها كانت تُسقط ما كانت تحاول لملمته مرات عدة، قبل أن تستقر داخل الحقيبة، حتى حساؤها الطيب ذاك قد انسكب من توترها كمثل ما انسكبت كرامتها تعانق مربعات أرضية الغرفة في انسجام!
لملمت كل ما قويت على حمله وركضت حتى لم تغلق حقيبتها، فاسقطت بعض اشياءها أرضا وانخفضت تجمعها، ثم سلكت طريقها تجاه الباب تسعى كأفعى ولّت هروبا من طائر جارح قبل ان يفتك بها!
اغلقت باب الغرفة خلفها لكن فى تلك المرة اغلقته بهدوء من يخاف الوعيد.
في داخل الغرفة بقيت ڤيڤيان التي لم تنظر حتى تجاه جليلة ولم تدر عيناها بعيدا عن كريم، ابنها التي عهدت لطفه مع كل من حوله وطيب حديثه حتى مع من يتعمد مضايقته وحتي في ذروة غضبه كان لبقا سهل الحديث والمعشر.
كانت تتفحص قسمات وجهه الحسنة التي بدا عليها الضيق والاختناق التى لم تعرف سببه، ففي حكمها الفتاة لم تخطئ، فقد كانت من عادتها أن تُزيد دلالها عليه، وكان ومن عادته حتى وان ضايقه أن يسايرها حتى لا تحزن، فتحدثت تلومه بصيغة حنونة:
ليه يابني تقولها كدة؟ أنت عارف جليلة غلبانة وعمرها ما كانت وحشة معاك!
رفع نظره بلوم تجاهها وزم شفتاه يعض عليهما وأردف:
كان المفروض أوقفها من زمان، كان المفروض ابعدها من البداية قبل ما تفجر وتوصل للى وصلتله ده!
تنهدت واقتربت تجلس على المقعد المجاور وبدأت تحادثه بلوم وعتاب:
ياحبيبي جليلة بنت يتيمة وغلبانة!
ليه تعاملها ناشف كدة مش كفاية اتحرمت من أهلها؟
يابني أنا وعدت أمها إني اخد بالى منها زي مباخد بالى منك مينفعش اسيبك تعاملها كدة!
وبعدين يعني ايه اللى وصلتله بس مهي طول عمرها كدة!
قاطعها وهو يبعد عيناه مردفا:
خليني ساكت عن اللى وصلتله، وبعدين أنتِ اللى وعدتي أمها مش أنا!
وليه بتتكلمي وكأنها طفلة صغيرة؟
ما انا استحملت طريقتها دي عشان يتيمة وغلبانة قبل كدة وحصل ايه كويس من وراها؟
هفضل استحمل ايه عشان بس وعدك يا أمي هي حتي مراعـ.
.
.
.
.
.
.
قاطعه لوم امه التى قالت بانفعال:
أنت ازاي تقول الكلام السم ده؟ ازاي تقدر تكون بالجفا ده؟ أنت نسيت اننا مديونين لها؟ أنت عارف لولاها كان زمانـ...
قاطعها بأعين دامعة يلقي سهام اللوم تجاهها:
وهو أنا كل ده مكنتش دفعت تمن الذل كامل؟ والدين ده متسددش بفوايد أضعافه كمان؟ ولا كان المفروض اقدملها نفسي على طبق من صفيح رخيص؟
كل مليم اتسحب وادفع علينا أنا دفعت أضعافه عليها وعلى رغباتها وطلباتها اللى مش بتنتهي! مش ده اللى حصل ولا محصلش؟
هلكتيني يا أمي بلومك ليا دايما وكأني مقصر!
قعدت سنين ادور أنا مقصر فى إيه ولا عملت إيه غلط سنين بحاول أسد واشيل جمايل في كيس مخروم!
كان المفروض ارضيكِ ازاي يا أمي ولا هو كان المفروض ارضيها هي؟
وأنتِ عارفة أنها عمرها ما هترضى عن حاجة،  قوليلي أنا قصرت في ايه؟
تحطم فؤاد أمه لكلماته، تعلم جيدا أنه فعل ما بوسعه فقالت من بين دموعها:
لا والله يابني ماقصرت ولا حاجة، أنت تعبت وشقيت وأنا عمري ماقصدت إنك مقصر معانا بحاجة، والله ما لومتك إلا بس عشان مشاعرها! عشان وعدت أمها!
تنهد وزفر ثم رد بضيق صدر يفرك رقبته:
وأنا يا أمي؟ مشاعري أنا مش فى حسابك؟ ولا أنتِ وعدتى أمها إنك تراعيها هي بس وتنسيني؟
مطت شفتاها وقد وعت ما يقصده فقد اتتها مشاهد كثيرة كانت بمثابة أحمال توضع على كاهله وهو كان يرفعها بصمت وتحمُّل،  تنهدت وأردفت:
أنا آسفه يا حبيبي، أنا آسفه منصفنتكش، احلفلك بالله مش هخليها تيجي هنا تاني طالما ده اللى هيريحك،  بس كان فيه مو....
قبل ان تتم جملتها وضعت سبابتها على شفتها السفلى كمن تراجع عن ذكر شيء هام،  ودخلت في حالة شرود بسيط قاطعه صوت كريم يسأل:
بس كان فيه إيه؟
قالت وقد ابتسمت ابتسامة بسيطة:
لا ياحبيبي مفيش حاجة، أنا هقوم اشوف حد يجي ينضف مكان الاكل اللى اتكب ده، اوصيهم على العشا أصل معاد العشا فات وأنت نايم، ماشي ياحبيبي؟
فتحت الباب وخرجت بعد ان أومأ لها موافقا على قرارها، فجلس على سريره يدير عيناه في أرجاء سجنه الذي عاد عليه بعد ان غازله مذاق الحرية، أنزل عيناه تجاه كفه الذي كان يمسك به ساعد وكفا رقية وابتسم وكأنها نسمة دافئة في يوم مثلج، ثم تحولت ابتسامة ذكراه لغضب بعد أن تذكر أنّ جليلة هي آخر من لمست ذلك الكف أخذ يفركه بعنفوان في شراشف السرير الذي جلس عليه.
بدأ يراجع كلمات رقية الغريبة من حلمه،  هو متأكد بالفعل أنه كان حلما،  ولكن تلك الكلمات هل لها أي معنى؟!
لما قالت تلك الكلمات ما الذي عليه تصديقه؟ ما هو ما رآه وما هو ما سيراه؟ وكلماتها ان ينتظرها! ابتسم يفض التفكير الزائد كأنه استرضى نفسه أن يراها فى أحلامه فقط!
مرت بضع دقائق كانت قد عادت ڤيڤيان ومعها مساعدة تحمل الطعام لهم، كان جو الغرفة هادئ ثقيل، هو لم يتحدث وكذلك أمه، وكأن كل منهما ينتظر الآخر ليقطع الصمت أولا!
أنهت ڤيڤيان عشاءها وأخذت تتأمل الشارد أمامها كان يقلب فقط بملعقته في الطبق أمامها بلا هدف لا يرفع بها طعام لفمه،  ولا ينحيها جانبا فقط وكأنه يرسم خطوطا شاردة ضائعة داخل عصيدته التي لا تبقي خطوطه بها بل إنّها تردمها خلفها ردما!
وهو ما جعله يبتسم بتحسر وكأن العصيدة أيضا تأبى الرضوخ لما يريد!
تنهد بقلة حيلة يواسي نفسه أنّه سينام مجددا وقد يراها مرة أخرى، رفع عيناه الزرقاء الداكنة تجاه أمه التى كانت تراقبه فى صمت فابتسم ابتسامة انخلغ لها قلبها، فقررت قطع الصمت بسؤال:
أنت كويس يا كريم؟ فى حاجة شغلاك؟ احكيلي أنا معاك وهسمعك!
فتح فاه قبل أن يخرج الصوت، قبل أن يقول لقد رأيتها تخيل فقط كيف يمكن أن يكون رد فعل ڤيڤيان على حديثه فآثر الصمت عن هذا الحديث واستبدله بآخر:
لا يا حبيبتي مفيش حاجة، أنا هنام بس!
فقالت بعد أن تصنعت ابتسامة تفهم:
خلاص هسيبك تنام، بس لازم تعرف إن بكرة فى جلسة مع الدكتورة زهرة، عارفة إنك مش حاببها ولا حابب جلساتها، وشايفة الرفض فى عينيك بس أنت المفـ..
-تمام، موافق!
كانت مقاطعته لها مفاجئة، بالفعل امتعض وجهه عند ذكر اسم زهرة،  لكنه تذكر وصية رقية من حلمه الذي قرر أن يعيش معه كتصبير لقلبه على الفراق!
كان ارتباك ڤيڤيان التي حضرت خطبة وموعظة ودروس مستفادة عن علاج زهرة النفسي واضح، فجأة أصبح ذهنها فارغا من مفاجئة موافقته بلا أي رفض، ازدردت ريقها وقالت بحفاوة:
طب الحمد لله يا حبيبي إنك قررت تقابلها، الدكتورة هتيجي بكرة بدري بعد الفطار على طول، دلوقتي يلا بقا عشان تنام!
تحرك كطفل صغير يغلبه الحماس، إن كانت أرض الأحلام هي الملتقى، فلما عساه يبقى مستيقظا! تدثر بالاغطية وكالعادة دس رأسه بين الوسائد، آملا أن تمر به في الليلة كما مرت به في اليوم!
صباح اليوم التالي كان أعصب صباح مر به، لم تزره تلك الليلة، لم تظهر بحلمه وكأن الأحلام التي استرضى بها نفسه لم ترضى به هي!
استيقظ قهرا لم يتناول فطوره، كان أقرب للغضب منه للاستياء أو الخذلان، عدة ساعات قليلة وأتى موعد زيارة زهرة.
طرقت الباب وجلست تتحدث بودية مع ڤيڤيان متجنبة أو متجاهلة كريم الذي بدا كطفل متزمر مقطب الحاجبين،  كانت كل قسمات وجهه تدل على اعتراض وغضب واضحان لا على كونها تتجاهله، فهو وبنفسه يتمنى أن تختفي الثرثارة ولا تظهر مجددا ولكن عليه أن يتعاون وينتظر!
نظر لها مشدوه لا يعلم ما يجول بالغرفة لما هناك هذا الكم من الناس فجأة!
ولما هناك ممرض ولما الطبيبة عند الباب ولما احضروا ذاك المقعد اللعين مجددا، كان سيبقى في حيرته لوما فسرت ڤيڤيان قائلة:
دكتورة زهرة اصرت إنك تخرج انهارده من الأوضة، يلا عشان تجهز يا حبيبي!
-لا مش عايز !
بدون مبررات رفض وهو أمر متوقع، ابتسمت زهرة وتحدثت بتكلف يستفزه:
كان نفسي طبعا احققلك امنيتك الجميلةدي، لكن زي ما أنت شايف كدة ملايات سريرك محتاجة تتغير! ممكن تتعاون شوية؟!
كان من الممكن أن يقتنع لولا كلمة التعاون تلك التي جعلته يشعر وكأنها سخرية فصرخ بهم:
لا مش خارج، هقعد هنا على أى كرسي لحد ما يخلصوا اللى بيعملوه!
تنهدت زهرة ورفعت كتفاها باستسلام، ودخلت الغرفة مجددا ووضعت دفتر ملاحظاتها وقلمها على الطاولة ثم جلست على مقعد من المقاعد البيضاء واتكأت بظهرها بمنتهى الراحة تنظر له بتحدي وابتسامه مستفزة.
ضيق عيناه ناظرا لها بذات التحدي وطلب مساعدة الممرض للانتقال على مقعد مقرب فى مقابل زهرة، أخذا  يناظران بعضهما بتحد وكأنه الروليت الروسي من منهما سيطلق الرصاصة الحية أولا ولكن في حالتنا تلك بالتأكيد سيطلقها على الآخر لا على نفسه!
قرر هو كسر صمت سلسلة النظرات النارية بينهما بتصريح عريض:
مدام زهرة، متتعبيش نفسك بمريض ميئوس منه زيي!
كل اللى هتقوليه ملوش لازمة اصلا!
إني بتوهم وإني لازم أنساها والتفت لحياتي واعيش سني واغني والكلام الجميل ده مينفعنيش!
فريحي نفسك، أنا مــش هــنــسـاهــا!
مطت شفتاها وقطبت حاجباها وقالت بانزعاج:
بص هو فى كل الكلام اللى مليان حكم وعبر اللي أنت قلته ده معنديش أى اعتراض إلا على حتة صغننة آد كدة اهو!
صمتت وهي تريه عقلة سبابتها وتنظر لها ثم تنهدت وقالت:
أنا آنسة مش مدام!
قطب حاحباه بغضب شعر وكأنها تسخر منه قبل أن يبدأ مشاجرة نارية، فردت هي كف يدها أمام وجهه ليصمت ما قد بدأه في رأسه ثم أردفت:
لا استنى استنى! قبل ما تبدأ وتقعد تزعق! مين قال إني جاية أنسيك واقولك إنك بتتوهم والكلام ده! أنا هنا عشان أسمعك!
-إ..إيه!
-زي ما سمعت كدا، أنا هنا عشان أسمع منك اللى حصل معاك، وكمان عشان أسمع عنها أكتر، عايزة أعرف كل حاجة عنها!
نظر لها بتشكك وانكمش قليلا في جلسته بغير ارتياح،  واخذ يتساءل لما عساها الوحيدة التى تطلب أن تعرف بل لما لم توقفه حتى؟!
قاطعت شروده بكلمات عملية:
أنت عارف يا أستاذ كريم! كل حاجة بتحصل حوالينا ليها تفسير، حتى لو الناس كدبوها وانكروا وحودها هتفضل برضو حصلت وموجودة وليها سبب، يلا بقا عشان نبدأ!
-بإيه؟
-شكلها؟
-مين؟
-رقية أكيد! شكلها إيه؟
- زي اسمها رقيقة وراقية وجميلة
ابتسمت زهرة وهي تدون المعلومات، ثم طرحت سؤالا آخر:
لا عايزة وصف أكتر، مثلا شكلها طولها ملامحها، أوصاف عادية يعنى!
ابتسم هو وغاب في خياله يهيم وأردف:
عنيها بحور من القهوة، مسحوبة كأنها نبع صافي للعطشانين التايهين في الصحرا، من نظرة بس يرتوي العليل، حواجبها خطوط اترسمت بايد خطاط فنان، ملامحها جميلة منمنمة، عندها أرنبة انفها تحسي فيها بشموخ كدة، وشفايفها كأنها فراولة مقطوفه من الشجر،  بس عندها.
.
.
ثم ضحك مستأنسا
فتمتمت زهرة بعملية وهي تؤيد فى دفترها :
همم، عنين بني واسعة، حواجبها سميكة
أنف صغير مرفوع وشفايف مستديرة،
بس عندها إيه؟
-عندها خدود لطيفة تشبه خدود الاطفال كدة!
قاطع حديثه ضحكتها التى حاولت كتمانها من بداية وصلة شعر الأوصاف التي بدأها، فقطب حاحبيه بلوم،  فرفعت يديها اعتذارا ثم تحمحمت وسألت بعملية:
طب وباقى وصفها؟
-مش هكمل على فكرة!
- أسفة والله كمل أوصافها
-اوصافها! همم..  هي رفيعة لحد ما، وقصيرة و...
فقاطعته بصوت مسموع:
حقيقي الكلام ده؟ قصيرة؟
-مش قصيرة بالنسبة للطول العادي للبنات ولكنها يادوب بتوصل إلي ذقني!
...همم، لو حسبنا إني مشفتكش واقف قبل كدة فأظن كلامك مظبوط!
...تقصدي إيه باللى قولتيه دلوقتى ده؟
... ايـــه؟ قلت إني مخدتش بالى من طولك قبل كدة!  يعني أظن إنك عديت مية وتمانين سنتي مش كدة؟
... لا لا مش ده، أنا أقصد إن كلامك كأنـ..
...أستاذ كريم احنا هنا فى كلامي وكلامك مثلا؟  احنا هنا بنتكلم عن رقية!  ممكن تقولي اتعرفتوا على بعض ازاي؟
نظر لها مضيقا عيناه ثم دفع افكاره بعيدا بعد ان سَكِر فى انغماس حماسه للحديث عن ذكرياته مع رقية فابتسم وقال:
هو كان يوم شتا جامد، أظن كان وقت العصر فى يوم من نص ديسمبر كدة، الجو كان صعب أوي، وكانت بتشتي من الصبح تقريبا موقفتش!
عارفة أنتِ الأيام اللى الناس بتستخبى فى بيوتها وتدفى دي!
أهو كان يوم منهم كدة!
المهم نزلت اليوم ده غصب عنى عشان احل مشكلة تبع الشغل كالعادة، كمان كنت ناسى الشمسية في العربية فغرقت!
سألته تترقب الإجابة:
كالعادة! هو شغلك كان دايما بيحصل فيه مشاكل لدرجة إنك تنزل فى يوم الجو صعب كدة؟
تنهد وكأنه يدافع ذكريات سيئة لا يريد تذكرها ثم ابتسم ابتسامة منكسرة وأجاب:
في الاواخر آه حصل كتير، عشان كدة كنت بقول كدة لأني تقريبا اتعودت!
-تمام خلينا نرجع لليوم ده!  قابلتها ازاى في يوم صعب كدة؟
غلبت الابتسامة ملامحه ولمعت عيناه وغاب في اثير الذكريات المعسول بدون وعي وكأنه طفل يحكي عن امنياته الغالية وبدأ بقص ما حدث فى اليوم الاول.
في مكان آخر في خارج الغرفة كان قد انتهي المساعدون أخيرا من ترتيب الأسرّة، وتبديل الشراشف استأذنت إحداهما الاخرى لأمر عاجل!
مشت تلك الفتاة مسافة صغيرة حتى وصلت لغرفة أخرى تجلس بها ڤيڤيان، تحمحمت واقتربت منها وأردفت:
سِت ڤيڤيان،  لما كنت بروق سرير أستاذ كريم لقيت الدلاية دي،  فقلت اجيبهالك، شكلها بتاعته!
أرتها لڤيڤيان التي نظرت لها واستعجبت فسألتها:
أنتِ متأكدة إنها من اوضتنا؟ وبتاعة كريم؟
قالت الفتاة بتأكيد:
ايوة متأكدة انها كانت معاه، أصل وهو بيقوم من على السرير سمعت صوت رن فى الارض، ومحدش خد باله اخدتها وكنت هديهاله لكن لقيته كان بيتكلم مع دكتورة زهرة، فقلت أول ما أخلص اجي اديهالك على طول!
!
مدت الفتاة يدها وأعطتها لڤيڤيان التي اخذت تتفحص تلك اللعبة التي لم تكن إلا حُلية فضية على شكل ورقة شجر العنب نُقش عليها كلمة (كَرْمَ)  بتشكيل وزخرف بسيط، احتارت في امرها لكنها  وضعتها فى جيب كنزتها الحريرية لتسأله فى وقت لاحق.
يتبع......
ما هي توقعاتكم حتى الآن؟
كيف هي نظرتكم للشخصيات؟؟ كريم؟
زهرة؟
جليلة اللى عرفنا اسمها اخيرا 🎉؟
حان دوري لسؤالكم هل رقية حلم أم حقيقة؟
الحلية؟(دلاية سلسلة)
م. م.: الفصل القادم باذن الله اول ذكريات وحكاياته لنا ❤❤
دمتم في سلام الله ♥
الخامس من هنا
قراءة رواية شظايا ثمينة الفصل الخامس 5 كاملة | بقلم ايمان قنديل

لا تفوت الفصل التالي من رواية شظايا ثمينة الفصل الرابع 4 كاملة لمزيد من التفاصيل.

فصول رواية شظايا ثمينة مرتبة كاملة

جميع فصول رواية شظايا ثمينة كاملة في مكان واحد لتسهيل الوصول والقراءة.

حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
0
SHARES
📲 تحميل تطبيق حكايتنا حكاية