📁 آحدث المقالات

رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والعشرون 22 كامل بدون حذف | بقلم سعاد محمد سلامة

رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والعشرون 22 كامل بدون حذف | بقلم سعاد محمد سلامة

تم تحديث الفصل بتاريخ 7 مارس 2026

رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والعشرون 22 كامل بدون حذف | بقلم سعاد محمد سلامة
رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والعشرون
بعد مرور يومين
بمنزل أم صبري
جلست على طرف الأريكة، كفّها مسنود تحت ذقنها، وعيناها شارِدتان في الفراغ.
صوت المذياع كان يصدح بآيات من القرآن، لكن عقلها لم يكن حاضرًا.
غزال…
الاسم جعل قلبها يخفق بحيرة
همست لنفسها بتأنيب:
إزاي مفكرتش في الغلبانة دي.. أنا فرحت إن ربنا حقق أمنيتي وهروح أزور بيت ربنا… ونسيت الأمانة اللي في بيتي
تنهدت بقلق وهي تفكر…
لا يصح…
لا يصح أبدًا تترك فتاة وحدها في بيت به رجُلين
حتى لو كان زوجها… وحتى لو كان ابنها فهو شاب همست بتأنيب:
العِشرة حاجة… والشرع حاجة… وكلام الناس حاجة تانية خالص...
ياااارب
همست بها ونهضت  تسير في الرُدهة ذهابًا وإيابًا، عباءتها تتحرك خلفها، وأفكارها تتصادم... وهي تتسأل:
طب هوديها فين... عند مين
ابوها... مرات أبوها متتعاشرش ومش هطيقها، ولو طاقتها هتعاملها على إنها دخيلة  في ليت أبوها ومش بعيد تشغلها خدامة..
طب عند أمها.. جوز أمها أنا مش برتاح له وده غريب عنها.. وممكن يعاملها على إنها عالة عليه.
زفرت نفسها بلوم قائلة:
ياريت مكنتش سمعت كلامها وأصريت تجي معايا العمرة... مكنتش مصاريفها هتبقي  عبئ عليا.. حتى كان قلبي هيبقي مطمن عليها وهي قدامي...
جلست مجددًا على الأريكة ووضعت يدها على صدرها... تشعر أن قلبها ليس مرتاح.
حقًا على دراية بأخلاق ابنها… تعرف نظراته الأخوية لـ غزال... كذالك رغم مساوئ زوجها لكن لم ينظر يومًا لها نظرة سيئة... لكن
تعرف أحاديث الناس وهم بمنطقة شعبية
همست لنفسها بتضرُع لله ربما يعطيها حلًا:
يا رب أنا رايحة لبيتك… ما تسيبش البنت دي لوحدها.
اقتربت من شباك بالردهة رفعت عينيها للسماء، وعزمها بدأ يتشكل.
ياارب دبرني...أنا  لازم أتصرف. مش هسيبها كده...
بتفس اللحظة أخفضت بصرها وتبسمت بشعور إرتياح كأنها وجدت حلًا
❈-❈-❈
في أحد البنوك الاستثمارية
دلف فاروق الى إحد المكاتب، نهض له مدير البنك مُرحبًا يقول:
أهلًا يا فاروق بيه البنك نور.
اومأ له بكياسه، تبسم المدير قائلًا:
إتفضل إقعد مسؤولة الإعتمادات هتكون هنا خلال دقيقة،عارف إن وقتك مش فاضي، وعشان كده بلغتها إنك بنفسك هنا...
جلس فاروق بهدوء.
ابتسم المدير ابتسامة متحفظة:
دقيقة بس يا فندم… الإجراءات خلصت، بس في شوية توقيعات أخيرة.
وقبل أن يُكمل، طُرق الباب طرقًا خفيفًا.
اتفضل.
دلفت مسؤولة البنك تعتذر قائلة:
متأسفة عالتأخير، كان في غلطة بسيطة في الملف وخلاص اتحلت.
تبسم المدير قائلًا:
الأستاذة جُمانة هي اللى ماسكة إدارة الإعتمادات.
تبسم فاروق بقبول أومأ لها برأسه في هدوءٍ محسوب، قبل أن يقول بصوتٍ واثق يحمل نبرة رجلٍ اعتاد أن تُنجَز أموره دون تعقيد:
ولا يهمك يا أستاذة جُمانة… المهم إن الأمور تمشي صح.ذ
جلست أمامه، تفتح الملف بعناية، بينما راحت نظراتها الخاطفة تلتقط تفاصيله؛ أناقة بدلته، ساعته اللامعة، وطريقته الهادئة التي تخفي خلفها صلابة واضحة.
قالت باحترافية:
الاعتماد المستندي جاهز للتفعيل، لكن في تعديل بسيط في بند الشحن… محتاج توقيع حضرتك هنا.
اقترب قليلًا من المكتب، مدّ يده بالقلم، ثم توقف قبل أن يوقع، رافعًا عينيه إليها مباشرة قائلًا باستفسار:
بس التعديل ده ممكن يأثر على مدة الإفراج.
هزت رأسها بثقة قائلة بنفي:
لا يا فندم، بالعكس… هيختصر يومين.
لمعت عيناه بتفهُم خفي، ووقع أخيرًا، ثم تحدث بابتسامة جانبية خفيفة:
واضح إن إدارة الإعتمادات في أيد أمينة.
ارتبكت للحظة، لكن ذكائها المهني أنقذتها سريعًا واجابته بثقتها:
ده شغلنا يا فندم.
بينما مدير البنك، كان يجلس صامتً يراقب المشهد بابتسامة دبلوماسية… مدركًا أن اللقاء الأول بين رجال الأعمال الأقوياء والعقول الذكية… لا يكون عابرًا أبدًا.
ابتسم المدير وهو ينهض قائلًا بنبرة لائقة:
أستأذن أنا بقى، وسيبكم تراجعوا التفاصيل براحتكم.
خرج بهدوء، وأغلق الباب خلفه، لتسود لحظة صمت قصيرة… ثقيلة.
لم تعد جُمانة تجلس بذات الرسمية المتحفظة، بل رفعت عينيها إليه مباشرة وقالت بنبرة أقل جمودًا وألغت وجود لقب قبل إسمه بتعمُد منها:
بصراحة يا  فاروق… في نقطة لازم تتقال بوضوح.
لم يهتم فاروق بعدم وجود لقب قبل إسمه، عقد حاجبيه قليلًا، ومال بجسده للأمام قائلًا بتعمُد:
اتفضلي قولى النقطة يا...مدام جُمانة.
أغلقت الملف بهدوء، وضمت يديها فوقه رسمت ابتسامه ذات مغزي قائلة:
الاعتماد ده قيمته كبيرة… والبنك وافق بسرعة غير معتادة... وده حصل بناءً على تاريخ حضرتك… مش بس الأرقام اللي في الورق.
ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة وتحدث بثقة: ده معناه إني كسبان ثقة، إسم الدباغ لوحده ثقة.
شعرت من رده بغروره، تفوهت بثبات:
ممكن معناه إن الثقة اتبنت… بس لسه بتتحافظ عليها.
ساد صمت آخر… لكن هذه المرة كان مختلفًا.
فيه شدّ خفي… اختبار غير معلن.
قال بصوت منخفض، أقرب للتحدي:
واضح إن حضرتك مش بترتاحي للقرارات السريعة.
رفعت حاجبًا واحدًا بخفة:
فعلًا.. برتاح لها لما تبقى محسوبة أكتر.
ثم مالت قليلًا للأمام، وخفضت صوتها:
في شحنة جاية من بره، ولو حصل أي تأخير في التحويل الخارجي… البنك مش هيقدر يغطي المدة دي تاني... فمحتاجين التزام كامل من حضرتك.
نظرت إليه بثباتٍ كامل… لا خضوع ولا تودد.
ابتسم ببطء، وكأنه استمتع بصلابتها:
إنتِ بتكلميني كرجل أعمال… ولا بتحذريني.
ردّت دون أن تهتز:
بكلمك كمسؤولة عن البنك، يعتبر شريك في مخاطرة مشتركة.
لمعت عيناه، وأدرك أن هذه المرأة ليست موظفة عادية…
بل عقل يعرف كيف يفاوض… دون أن يرفع صوته.
اقترب من حافة المكتب قليلًا، وقال بهدوءٍ عميق:
اطمني يا أستاذة جُمانة… أنا ما بحبش أخسر.
رفعت نظرة ثابتة إليه، وقالت:
وأنا ما بحبش أراهن على حد… إلا لما أكون متأكدة إنه قد المجازفة.
لمعت عيناه ببسمة غرور وثقة،، رفعت جُمانة عينيها نظرت لوجهه ثم إستقرت عينيها على يده اليسري بالأصح على ذاك الخاتم الذي ببنصره الأيسر، شعرت بقبضة فى قلبها، ثم تفوهت:
عرفت إن مراتك إتوفت من فترة... غريبة إنك لسه لابس دبلة الجواز.
نظر الى ذلك الخاتم ثم تحدث بهدوء:
وغريبة ليه... بس واضح إن المعلومات اللى عني وصلت ليكِ ناقصة... فعلًا مراتي إتوفت من فترة، بس كمان أتجوزت تاني.
جحظت عينيها من الصدمة وتفوهت بتعلثم:
بالسرعة دي، ليه كنت محضر للجوازة قبل وفاة زوجتك.
أجابها ببرود:
رغم ده شأن خاص بيا، بس هجاوبك.. أنا أتجوزت من أخت زوجتي الأولى.
-جواز إجباري يعني عشان تربي إبن أختها.
رغم أن ذلك جزء كبير من حقيقة زواجه من عهد، تغاضى عنه وقال بثبات بدا وكأنه يقين لا يقبل الجدل:
لا… اتجوزتها عشان بحبها.. مفيش ست قلبي دق لها قبلها، ولا تمنيت غيرها...حتى  كان المفروض تكون زوجتي من البداية، لكن القدر… الوحيدة اللي ملكت قلبي هي عهد، مراتي.
نهض بعد كلماته، وأضاف بنبرة خُتمت بالاحترام:
أظن الاتفاق انتهى. حياتي الشخصية مش طرف في النقاش. آسف، لازم أستأذن… عندي أشغال لازم تخلص. اتشرفت بمقابلتك يا مدام جُمانة.
مد يده للمصافحة. نهضت هي الأخرى، صافحته. لحظة قصيرة تشابكت فيها الأيدي لثانية لا أكثر... ثم سحب يده وغادر
تعقبت اثره بعينيها،الى ان غاب من أمامها  زفرت نفسها بصوت خافت:
حداشر سنة يا فاروق… ولسه زي ما أنت. نفس الكِبر. نفس الغرور… يا "ملك".
وقفت مكانها لحظات بعد رحيله، تحاول أن تجمع أفكارها.
لم يكن اللقاء كما توقعت.
.
.
ظنته ربما يكون أكثر لينًا، أقل تحفُظ منه… لكن فاروق لم يتغير.
نفس النظرة التي تقول إن قراراته لا رجعة فيها.
.
.
أغمضت عينيها لحظة، ورأت صورة قديمة شاب يضحك بثقة، عيناه كانت ثاقبة وعقله ذو طموح.. ثم تتبدل الأيام وتبتعد الطرق. لم يكن ذلك  سهلاً عليها... ولا النسيان ممكنًا كما ظنت...
فتحت عينيها مجددًا.
.
.
نظرت نحو  الطاولة ما زالت آثار جلسته  فنجان قهوته الذي،تركه كما هو،ربما لم يمسُه، وبضع كلمات عابرة.
.
.
ربما  كانت كافية لتعيد فتح باب قديم.
.
.
لكن هو أوصده مرة أخرى.
بمنزل الدباغ
دلفت أم صبري، جلست مع إجلال تتحدثان عن ترتيبات سفرهن لقضاء العُمرة، راوغت حتى وصلت الى نقطة ربما تصل بها الى هدف برأسها، فهل هنالك مكان آمن أكثر من منزل الدباغ تترك به غزال.
تفوهت بآسف وهي ترمي نفسها بلوم:
فرحة العُمرة نستني الغلبانه غزال بنت أخويا، إزاي هتفضل فى البيت لوحدها مع إتنين رجالة، ياريتني ما سمعت كلامها لما رفضت تجي معانا العِمرة.
.
.
كنت هبقى مطمنة عليها، إنتِ عارفة يا حجة اجلال، ظروفها، ان كان أبوها ولا أمها الاتنين كل واحد في دنيا بعيدة.
تنهدت إجلال وهي تحرك المسبحة بين أصابعها، بدا على وجهها تردد تهمس براسها جملة
"وهي مبترتاحش عند أي حد فيهم".
نظرت إجلال إليها، تدرس الكلمات.. وفكرة جالت برأسها لكن كالعادة هنالك من تستشيره.
..... ــــــــــــــــ
ليلًا
دلف محي الى غرفة النوم تبسم حين وقع بصره على إجلال التى نهضت حين دلف تبتسم هي الأخرى..
لحظات وجلس الاثنين... خبرة السنوات ببنهما لاحظ ان هنالك شيئًا يشغل عقلها. حثها على البوح حتى سردت له ما قالته أم صبري..
ثم أكملت:
البنت دي غلبانة وبتصعب عليا، رغم ظروفها بس عندها عِزة نفس بتشتغل جنب جامعتها...وفى حالها.
ابتسم محي قائلّا:
أنا من حكايتك عالبنت دي وظروفها بستغرب إزاي هي تربية أم صبري،صحيح أم صبري فى حالها وكويسه فى تعاملها مع الناس كلها،الا مع جوزها،هو فعلًا شخص سلبي ومتواكل،بس اسلوبها معاه بتستقوى عليه
تبسمت اجلال قائلة:
البيوت مقفولة محدش عارف جواها ايه كمان انت شوفت لما عرضت عليها تجي معانا وانك هتتكفل بمصاريفها،رفضت وجابت تمن التذكرة والتأشيرة وحلفت لو مأخدتهمش مش هتجي معانا،أنا فى دماغي حاجه كده،ومرضتش اقولها قبل ما اقولك الأول وأخد رأيك.
وأنا موافق.
نظرت له باندهاش فضحك قائلّا:
عيب يا ححة السنين اللى فاتت بينا خلتنا نفهم دماغ بعض من غير كلام.
ابتسمت له بامتنان قائلة:
بكره هخلى واحدة من الشغالين تنضف الاستراحة اللى فى الجنينة، تعقد غزال فبها، أهي تبقي كمان تسلي رابيا، والله حاسه الاتنين زي بعض، رغم اخويا ومراته عايشين مع بعض فى بيت واحد بس هو دايمًا بيبعد عن مجلسها.
ابتسم محي، وهنالك فكرة أخرى جالت برأسه، من موافقته على مكوث غزال بالمنزل تلك الفترة.
بعد ايام
بمنزل الدباغ، كان البيت يعج بحركة مختلفة... حقائب مفتوحة، عطور خفيفة تفوح في الأرجاء، وأصوات دعاء تتردد بين الجدران.
هل هناك فرحة أكبر من زيارة المدينة المنورة
هل هناك نعمة أعظم من أن تطأ القدم أرضًا احتضنت خطى النبي ﷺ، وأن تقف الروح في رحاب المسجد النبوي ترجُو السلام قبل المغفرة.
.
.
كانت تتحرك بخفة لم يعهدها فيها أحد، كأن السنين سقطت عن كتفيها.
.
.
وهي تبتسم تُردد:
يا رب تكتبها لنا زيارة مقبولة… يا رب ما تحرمنا من السلام على رسولك... كذالك
كانت أم صبري كانت أكثر حماسًا بالتأكيد المرو الأولى .. عيناها تلمعان كطفلة تستعد لعيد... وهي تبتسم لـ إجلال قائلة بشوق وتوق، للوصول الى هناك بأسرع وقت:
والله يا حجة اجلال، فرحة في قلبي ما تتوصفش. الواحد يروح يطلب المغفرة، ويرجع إن شاء الله بروح جديدة وخالي من الذنوب.
تبسمت لها إجلال بانبساط، ثم التفتت وقع نظرها على  غزال التي تجلس في زاوية بعيدة، تكتفي بالإنصات. لم تشارك في الحديث، لكن عينيها كانتا تفضحان شوقًا حاولت جاهدة أن تخفيه.
ربما لو لم تشعر يومًا أنها عبء على أحد، ما ترددت لحظة، ولا تحججت بأنها ما زالت صغيرة...، ليست صغيرة العُمر بل صغيرة القيمة
أيكون هناك مكان يهدأ فيه القلب أكثر من جوار النبي ﷺ مكان تفر إليه الأرواح المثقلة، تترجى فيه ربها أن يربت على قلبها، أن ينتزع ذلك الألم العالق بين أضلُعها منذ سنوات..
على يقين أن القلوب لا تُستأذن حين تختار… وأن قلبها اختار في صمت...  على علم أيضًا أن كِنان لا يراها... ربما لا يعلم أصلًا بوجودها...
مجرد صدف عابرة في يومٍ مزدحم من أيامه… لا أثر لها...
لكنها لم تكن تجهل قدر نفسها.
.
.
قلبها بريء، تعرف حدوده جيدًا.
.
.
لا ترفع عينيها عاليًا، ولا تحلم بما ليس لها.
.
.
ترضي أن تكون ظلًا لا يُزعج أحدًا… دعوة صامتة في آخر الليل… أمنية لا تطلب إلا الطمأنينة.
.
.
خفضت رأسها قليلًا، تخفي ارتجافة عابرة في عينيها... لو ذهبت إلى هناك… إلى ذلك المكان الطاهر… ربما استطاعت أن تترك حبًا لم يُولد، أو وجعًا ينهشها تخشي ان تعترف به...
ربما عادت بقلب أخف… أو على الأقل، بقوة تكفيها لتُكمل طريق حياتها دون أن تلتفت خلفها...
اخفت دمعة وتبسمت لـ إجلال التي ذهبت نحوها وضعت يدها على كتفها... نظرت لها ببسمة.. إنحنت إجلال عليها قامت بوضع قُبلة على إحد وجنتيها قائلة:
كان نفسي تبقي معانا.. هدعيلك هناك براحة القلب.
غصبًا تكونت دمعة، ولحُسن حظها تعلقت بين أهدابها ولم تسقط... لم تستطع رفع عينيها… ولو فعلت لرأت ذلك الواقف غير بعيد، يراقبها دون أن يدري لماذا يفعل...
يقف متكئًا إلى إطار الباب، يدعي الانشغال بهاتفه، بينما عيناه  مُسلطة عليها شعور متضارب يجتاحه؛
قلبه يراها ضعيفة… حد أنها قبلت أن تكون ضيفة في بيتٍ غُرباء لا يمتّ لهم بصلة...
وعقله يوبخه:
وما شأنك أنت.. أليست في أمان... أليست بين أهل يعرفون قدرها... شد على فكه بقوة قليلًا...
شيء في انكسار كتفيها أزعجه... لم تعجبه تلك النظرة الخافتة التي تخبئها خلف صمتها... لم تعجبه فكرة أنها تشعر بالغربة… هنا.
تحدث لنفسه بحدة:
وأنا شاغل دماغي بها ليه... هي وافقت  تبقى هنا مش مسؤوليتي.
لكن قلبه لم يقتنع...
كأنه يرى ما لا يراه غيره؛ يرى البنت التي تتصنع القوة، وتتعلم كيف تُصغر من قيمة نفسها حتى لا تُثقِل على أحد.
.
.
يرى قلبًا يمشي على أطرافه، يخشى أن يزعج الأرض.
.
.
تحرك خطوات دون وعي،اراد أن يقترب منها،لكن توقف.
.
.
ينهؤ نفسه.
.
.
لماذا يريد أن يطمئن عليها لماذا يضايقه احتمال أنها تبكي.
رفعت غزال يدها تمسح طرف عينها سريعًا، ظنت أنها نجحت في إخفاء دمعتها... لم تعلم أن هناك من لمح ارتجافها، وأن تلك الدمعة الصغيرة هزت شيئًا ثقيلًا داخله.
همس في نفسه:
ليه بتحاولي تباني أقوى من حقيقتك… وليه أنا متضايق كده.
صراعٌ صامت بدأ…
بين عقل يرفض التدخل، وقلب بدأ يرى ما لم يكن يراه من قبل.
...... ـــــــــ
تبسمت إجلال لـ ميرفت التى إستقبلتها بود ومحبة.. بادلتها ميرفت بسمة مغصوصة متألمة... ودمعة عين سالت، سرعان ما جففتها بمحرمة... ضمتها إجلال قائلة:
ياريت كنتم جيتوا معانا، هناك قلبك هيبرد.
عادت تسيل دموعها، تحدثت بألم:
إن شاء الله المرة الجاية، إدعيلي هناك.
ربتت اجلال على كتفها قائله:
هدعيلك يبرد نار قلبك ويصبرك.
بتلك اللحظة لمحت عهد دموع والدتها، غمرها الأسى دفعة واحدة.
.
.
حاولت أن تتماسك، لكن دمعتها سبقتها، ابتعدت وانزوت في ركن بعيد.
.
.
جففت عينيها ، وضغطت بيدها فوق موضع قلبها، كأنها تحاول أن تهدئ ثورة خفقانة… شعرت بتقطّعٍ في نياط صدرها، ألمٍ خفي لا يُرى لكنه يُرهق الروح.
.
.
أخرجها من دوّامتها صوت ياسين، الذي لمح انسحابها فتبعها بخطوات صغيرة مسرعة... اقترب منها، شد بطرف ثوبها برفق، ثم أمسك يدها ببراءة وسأل:
ـعهد… واقفة هنا ليه تعالي.
نظرت إليه، فذاب في عينيها شيء من الوجع..  انحنت إلى مستواه، مسحت على شعره، تحاول أن تبتسم رغم الغصة:
مفيش يا حبيبي… بس كنت باخد نفس.
قطّب حاجبيه الصغيرين، وكأنه لا يقتنع بسهولة:
إنتِ بتعيطي.
ترددت لحظة، ثم هزت رأسها نفيًا، تمسح أثر دمعة خانتها:
لأ… دي فرحة. تيتا اجلال وجدو محي هيروحوا يزورا النبي… ودي حاجة تفرّح مش تزعل.
تأملها بعينين صافيتين، ثم قال بثقة طفولية:
طب ما تفرحي بجد… وبلاش تستخبي.
ضحكت بخفوت، وضمته إلى صدرها، كأنها تستمد منه قوةً لم تجدها في نفسها.
.
.
في حضن طفلٍ صغير، هدأ شيءٌ كبير بداخلها.
.
.
وعادت معه الى الردهة، اقتربت من إجلال للخظة وقفت مشدوهة حين رأت فاروق ينحني على يد والدته قائلّا:
إدعي لى.
ربتت على رأسه بحنان، فرفع رأسه إليها بعينين صافيتين. جذبته إلى حضنها وهمست وهي تغمره بذراعيها:
هدعيلك… قلبك يرتاح.
ابتسم لها بامتنان صادق، ثم التفتت إجلال نحو عهد. التى كانت تراقبهما من بعيد، وفي عينيها شيء يشبه الفهم العميق... تبسمت لها، وفتحت ذراعيها دون كلمة...
ترددت عهد لحظة… ثم امتثلت... اقتربت وارتمت في حضنها بمودة،شدتها إجلال إلى صدرها وربتت على ظهرها برفق، ثم همست قرب أذنها بصوتٍ دافئ:
هدعيلك… ينور بصيرتك.
ارتجف قلب عهد من الكلمات... لم تكن دعوة عابرة، بل رسالة مبطنة… كأنها تقول لها:
أن ترى بوضوح،انها  تميز بين الوجع والاختيار،
بين التعلُق والقدر.
أغمضت عهد عينيها، وتنفست بعمق... في ذلك الحضن، شعرت أن الدعاء وصل قبل أن يُقال… وأن بعض القلوب، حين تدعو، لا تحتاج إلى رفع صوتها كي يُستجاب لها.
.... ـــــــــــــــــــــ
كانت عيناها تبحث عن محسن الذي خرج لبعض الوقت ثم عاد.
.
غص قلبها من تجاهله لها، لا تعلم سبب لعصبيته التى إستجدت بالأيام الماضية، تلاقت عيناهم سرعان ما حايد النظر لها كأنه يتعمد الأ يراها.
.
تبسم بحنان لإبنتيه اللتان إقتربن منهن فأخذهن تحت يديه، قلبها حسد طفلتيها على ذلك، لكن أخفت دمعتها حين إقتربت منها اجلال وحضنتها  قائلة!
البيت أمانتك.. كمان غزال ضيفة فى أمانتك.. إنتِ مكاني فى غيابي.
تبسمت لها بقبول قائلة:
ترجعي بالسلامة يا عمتي، وإن شاء الله عمرة مقبولة.
ابتسمت لها وهي تضع يدها على بطنها قائلة:
لو مكنتيش حامل كنتِ جيتي معانا، ربنا يقومك بالسلامة.
-ياارب
قالتها والدة رابيا، التي نظرت لها تشعر بسخرية من عبوسها.
بينما إقترب محسن قبل يد إحسان، ابتسمت له حين رفع وجهه وألقي بنفسه بين يديها، همست له بحنان قائلة:
هدعيلك الغشاوة تزول عن عيونك.
أومأ لها بقبول.
إنتهت مظاهر الوداع حين ذهب
اجلال.. محي...يارا... وبصحبتهما ام صبري اللى تلك السيارة وصعدوا بها وكان برفقتهما
كنان وغزال.
إشارة وداع من إجلال بوعد على عودة قريبة، تتمني ان تتبدل أحوال الجميع الى الأفضل عند عودتها.
بعد مرور أيام
كالعادة عادت عهد الى المنزل ليلًا،ترجلت من السيارة،لكن صدفة رفعت رأسها لاعلى رأت فاروق الذي يقف خلف زجاج إحد الشُرفات.
.
.
لوهلة خفق قلبها برحفة.
.
.
لكن تماسكت وهي تتجة الى الباب الخلفي للسياؤة فتحته وجذبت ياسين الغافي،حملته وتوجهت الى الداخل.
.
بداخلها إرتجافة لا تعلم سببها،أو تعلم بالتأكيد  سببها فاروق على يقين أنه لن يترك الليلة تمُر دون شجار بينهما.
.
.
دقائق ولم تتفاجئ بفاروق الذي يقف بجانب باب الشقة من الداخل...
بالفعل دخلت وهي تحمل ياسين،سمعت صوت غلق باب الشقة بحِدة مازال فاروق صامتً.
.
.
توجهت نحو غرفة نومها،وضعت ياسين على الفراش ثم دثرته،حين رفعت رأسها رأت دخول فاروق.
.
ظل ينظران لبعض للحظات بصمت،وعيون لو تحدثت لباحت بالكثير من الغضب من فاروق الذي يُلحمه حتى لا يستيقظ ياسين.
.
.
بينما
تحركت عهد لتتجاوزه الى خارج الغرفة، لكنها توقفت حين سمعت صوته مرة أخرى، هذه المرة أخف… وأقرب لشيءٍ يشبه التعسُف :
هو البيت بالنسبة لك بنسيون ترجعيه عشان النوم... أنا مش عاجبني الأسلوب ده.
تجمّدت يدها فوق مقبض الباب…
ولثانيةٍ قصيرة، بدا وكأنها ستلتفت وتقول شيئًا مختلفًا…شيئًا ينهي هذا البُعد الصامت بينهما.
لكنها في النهاية لم تفعل.
وخرجت بهدوء… تتبعها فاروق وجذب يدها كي تتوقف، بالفعل توقفت رفعت رأسها تنظر له بتحدي وهي ترا ملامح وجهه الواجمة وهو يضغط على أسنانه بقوة قائلًا:
عهد بلاش طريقتك دي فى  العيشه... وإسمعيني كويس، مش أنا الراجل اللى يقبل إن مراته تبقي واخدة بيته ترانزيت للنوم.. مش عاوز أفرض عليكِ وأمنعك من زيارة أهلك.
شدت يدها قليلًا تحاول أن تتحرر من قبضته، لكنها لم تسحبها بقوة… فقط توقفت تنظر إليه بثباتٍ بارد، وكأنها تضع بينهما جدارًا غير مرئي.
قالت بنبرة منخفضة، لكنها حادة بما يكفي:
وأنا مش واخدة البيت ترانزيت… أنا بس بحاول أتنفّس شوية.
ازدادت ملامحه تصلبًا، واقترب خطوة واحدة، صوته خرج هذه المرة أخفض… لكنه ممتلئ بشيء أثقل من الغضب:
تتنفّسي بعيد عن هنا ليه الهواء  هنا معدوم.
سحبت يدها بهدوءٍ هذه المرة، دون مقاومة حقيقية، ثم ردّت وهي تتجنّب النظر مباشرة إلى عينيه:
بتنفس بعيد عن الخناق… مش بعيد عنك.
ساد صمت قصير…
صمت مرتبك، كأن كلمتها الأخيرة لم تكن في حساب أيٍّا منهما...
نظر إليها طويلًا، وكأن شيئًا داخله يريد أن يهدأ… وشيئًا آخر يرفض الاستسلام.
ثم قال ببطء:
طب ما تحاولي تتنفّسي هنا… .
ارتجف شيء خفي في عينيها للحظة خاطفة، لكنها سرعان ما أخفته خلف برودها المعتاد.
أجابت بصوتٍ أهدأ مما كانت تقصد:
لما تحسّ إنك سامعني فعلًا… يمكن ساعتها أعرف أعمل كده.
تركته واقفًا في الممر، بينما تحركت مبتعدة بخطوات هادئة...… لم تتحدث
لكن صمتها  كان أعلى من أي صوت... وقفا ينظران لبعضهما  كأن لا  يملك أيٌّا منهما شجاعة الحديث.. قطع الصمت حين إقترب بتعسف
وجذبها على صدره بقوة وغيظ يتحدث من بين أسنانه قائلًا بتحذير:
عهد… بلاش تستفزيني أكتر...
تخشبت بين ذراعيه للحظة، لكن لم يكن من حِدة كلامه.
.
.
بل من حِدة ذلك الشعور الذي اجتاحها…  تلك الدوامة المفاجئة التي تجتاح  معدتها.
.
.
كذلك شعرت بغثيان حاد، كأن الهواء اختفى من حولها، وكأن رائحة عطره الثقيلة صارت خانقة أكثر مما تحتمل.
.
.
دفعت صدره بكفيها  تحاول الابتعاد، همست بصوتٍ واهن:
سيبني… لو سمحت.
لم تكن نبرتها متحدية هذه المرة، بل مرتجفة، شاحبة كوجهها الذي فقد لونه فجأة..
لاحظ ارتخاء جسدها بين يديه، فتبدلت ملامحه في ثانية… من الغضب الذي انكسر، وحل مكانه قلق حاد.... وهو ينطق إسمها:
عهد...
لم ترد عليه أغمضت عينيها تضغط على شفتيها، تحاول كبح ذلك الشعور الذي يعصف بمعدتها...
عهد… افتحي الباب.
لم يأته رد، سوى صوت ماءٍ يتدفق… وصوت سُعال متقطع... زداد اضطرابه، حاول فتح المقبض فوجد الباب غير مُحكم الإغلاق، دفعه قليلًا ودخل بحذر...
وجدها منحنية فوق الحوض، تمسك بحافته كأنها تستمد منه توازنها، وجهها شاحب وعيناها دامعتان.
جذب منشفة مُعلقه وتوجه  نحوها  سريعًا مسك مُعصم إحد يدها لكنه هذه المرة لم يمسكها بعنف… أعطها المنشفه،بيده الأخرى ثم وصعها خلف ظهرها يسندها برفق... سائلًا:
إيه اللي حصل لك فجأة مالك...
بخفوت أجابته بسؤال:
إنت غيرت نوع برفانك.
اندهش وأومأ براسه بنعم قائلًا:
ايوه جالي هدية قولت أجربه.. ريحته..
قاطعته بخفوت وهي تضع تلك المنشفة فوق أنفها:
هو السبب فى المغص اللي جالي ريحته مش حلوة... برفانك التاني ريحته أحلى...
ظهرت بسمه على وجهه، لكن
قبل أن تستكمل بقية إستهجانها من تلك الرائحة  عاد الغثيان، شعرت بالحرج منه،ابتعدت نحو الحوض،لكن كان ذلك ااغثيان مجرد سُعال جاف...اقترب منها وضع يده خلف ظهرها مره أخري..تحدث بقلق:
مش معقول ريحة البرفان اللى تعمل فيكِ كده...أكيد فى سبب تاني..
هزت رأسها تنفي، لكنها لم تستطع الكلام... ساعدها فى غسل وجهها بالماء البارد، ثم استدارت تسند ظهرها للحائط، يدها على معدتها، أنفاسها لا تزال غير منتظمة.
نظر إليها مليًا…
لم يكن هذا مجرد انفعال أو ضغط أعصاب...
صوته خرج أهدأ، لكنه مشوب بشيءٍ من الخوف:
أول مرة تحسي بالمغص ده.
ترددت لحظة… ثم تمتمت بصوتٍ خفيض:
لاء من كام يوم… شميت نفس الريحة.. بس مأثرتش فيا، يمكن عشان شميتها من قريب.
عقد حاجبيه، عقله بدأ يربط أشياء لم يكن ينتبه لها من قبل…كذالك تذكر بداية حمل فرح كانت كذالك...
إرهاقها، شرودها، نفورها  من تلك الرائحة...
سألها ببطء، وكأنه يخشى الإجابة:
معادك… اتأخر.
لم تفهم فى البداية وسألته باستفسار:
ميعاد إيه.
إقترب من أذنها وهمس لها:
عادة كُل شهر.
رفعت عينيها إليه أخيرًا... تنظر له بإندهاش  وارتباك… وخوف… وشيء  لم تجرؤ على قوله... بل عقلها ينفيه  وبشدة...
ساد صمت للحظات... ابتلع ريقه، و فكرةً واحدة فقط تدور في رأسه الآن…فكرة قد تُغير كل شيء بينهما...
همس بصوت منخفض، كأنه يخاطب نفسه قبل أن يكون معها:
عهد… إنتِ…
صمت ثانية، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره قبل أن ينطق بالكلمة التي لا يستطيع قلبه كبحها:
إنتِ حامل؟! …
الفصل الثالث والعشرون من هنا
قراءة رواية عهد الدباغ الفصل الثالث والعشرون 23 كامل بدون حذف | بقلم سعاد محمد سلامة

اكتشف الأحداث الجديدة في رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والعشرون 22 كامل بدون حذف الآن بالفصل التالي.

اقرأ جميع فصول عهد الدباغ الآن

كل ما تبحث عنه من فصول رواية عهد الدباغ متوفر هنا بشكل منظم.

حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
📲 تحميل تطبيق حكايتنا حكاية